|
|
|
شُبهات وهميَّة حول إنجيل يوحنا |
قال المعترض: »قال بعض المفسرين المسيحيين إن إنجيل يوحنا لم يُكتب بوحي الروح القدس، وإن الأصحاح الأخير منه أُضيف إليه بعد كتابته«.
وللرد نقول: (1) يستشهد المعترض بكلام الذين لا يؤمنون بالوحي، وينقل جزءاً من كلام المفسرين ويحذف باقيه. فعلى سبيل المثال قال هورن: »جميع المسيحيين على اختلافهم وتشعّبهم يتمسكون بإنجيل يوحنا، ويعتقدون أنه وحي إلهي. والأدلة على صحته داخلية وخارجية، فالأدلة الداخلية هي أنه ورد فيه أن الذي كتبه كان شاهد عيان للحوادث المذكورة، وشاهد العيان لا يحتاج إلى برهان، وعليه فلا يمكن أن يكون أحد المسيحيين كتب هذا الإنجيل بعد يوحنا. أما البرهان الخارجي فهو شهادة قدماء أئمة الدين المسيحي المتصلة من الخَلَف إلى السَّلَف، فتكلم عن هذا الإنجيل أكليمندس وبرنابا، وتكلم عنه أغناطيوس أسقف أنطاكية الذي كان تلميذاً للرسول يوحنا أربع مرات. وتمسّك به يوستين الشهيد وتاتيان وكنائس ويانة وليون وإيريناوس وأثيناغوروس وثاوفيلس أسقف أنطاكية وأكليمندس الإسكندري وترتليان وأمونيوس وأوريجانوس ويوسابيوس وأبيفانيوس وأغسطينوس وفم الذهب. وبالاختصار سلّمه الأئمة من جيل إلى آخر. وقيل إن طائفة الألوجيان (في القرن الثاني) رفضت هذا الإنجيل ورسائل يوحنا، ولكن لم نعرف عن هذه الطائفة شيئاً يُعتمد عليه، فإن إيريناوس ويوسابيوس وغيرهما من المؤلفين الذين كانوا قبلهما لم يأتوا لهم بذكر.
(2) كان هذا الإنجيل متداولاً في عصر يوحنا كما هو، ولم يشك أحد من المسيحيين الأولين في صحته.
(3) عبارات يوحنا 21 ولغته تشابه عبارات هذا الإنجيل.
وقد راجع كريسباخ أكثر من ثمانين نسخة من النسخ القديمة، فرأى أنها مثل النسخة المتداولة بيننا. فترك المعترض جميع هذه البراهين.
قال المعترض: »لم يشر إيريناوس إلى إنجيل يوحنا مع أنه كان تلميذ بوليكاربوس الذي كان تلميذاً ليوحنا«.
وللرد نقول: بل تكلم إيريناوس عن هذا الإنجيل، فقال: »لما كان قصد يوحنا دحض بدع وضلالات سرنثوس والنقولاويين، كتب إنجيله بوحي إلهي، فأوضح فيه وحدانية الله الذي خلق جميع الأشياء بكلمته، وفنّد أقوال من قال إنه يوجد أربعة آلهة: خالق للعالم، وأبو الرب، وابن الخالق، والمسيح. وقال إيريناوس إن يوحنا تلميذ ربنا قال: »وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه« (يوحنا 20:31) وغاية الرسول أن يحذرنا من أصحاب البدع الكفرية الذين يشركون بالله«. وقد أثبت أغسطينوس وغيرُه كلمات إيريناوس هذه.
قال المعترض: »في القرن الثاني الميلادي أنكرت فرقة الألوجيان إنجيل يوحنا وجميع كتابات يوحنا«.
وللرد نقول: فرقة الألوجيان ليست من فرق المسيحيين، بل هي شيعة ابتدعت ضلالة كفرية. وكانت غاية يوحنا الرسول من كتابة هذا الإنجيل استئصال الضلالات، ولا سيما ضلالة سرنثوس، وهو يهودي تهذَّب في اسكندرية في أواخر القرن الأول، وحاول إحداث طريقة تكون جامعة لتعاليم الديانة المسيحية وضلالات أصحاب المذاهب الفكرية، فردَّ عليه الرسول يوحنا بأن المسيح هو كلمة الله، وأن الكلمة هو الله هو خالق جميع العالمين، وأن الحياة والنور ليسا روحَيْن بل هما الكلمة، وأن المسيح هو الكلمة والحياة والنور.
قال المعترض: »جاء في يوحنا 1:1 »وكان الكلمة الله«. ولكن الترجمة الصحيحة هي »وكان الكلمة إلهاً« لأن الأصل اليوناني لا يحوي ألـ التعريف قبل كلمة »الله«. وهكذا يقول شهود يهوه«.
وللرد نقول: عند ذكر ألـ التعريف في اللغة اليونانية يكون المقصود شخصاً بذاته. وعند عدم ذكرها يكون المقصود طبيعة الشخص أو الشيء. ولما لم ترد ألـ التعريف قبل كلمة »الله« تكون الترجمة الحرفية للآية »وكان الكلمة من طبيعة الله«. وهذا ما نتعلمه من آيات أخرى مثل قول المسيح في يوحنا 8:58 »قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (أي: أنا يهوه)« وقول توما للمسيح: »ربي وإلهي« (يوحنا 20:28). وقد لُقِّب المسيح بأنه الله في آيات أخرى (راجع كولوسي 1:15 و16، 2:9 وتيطس 2:13). كما ورد لقب المسيح بالله مع أداة التعريف في عبرانيين 1:8 »أما عن الابن: كرسيُّك يا ألله إلى دهر الدهور«.
اعتراض على يوحنا 1:18 - رؤية الله
انظر تعليقنا على تكوين 32:30
قال المعترض: »ورد في يوحنا 1:19 و20 أن اليهود أرسلوا من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوا المعمدان: »من أنت؟« فأجاب إنه ليس المسيح. فسألوه: »إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟« فقال: »لست أنا«. ولكن المسيح قال في متى 11:14 عن يوحنا: »فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي«. وجاء في متى 17:10 »وسأله تلاميذه: فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً؟« فأجاب يسوع: »إن إيليا يأتي أولاً ويردّ كل شيء. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألم منهم«. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان«.
وللرد نقول: انتظر اليهود تحقيق النبوَّات بالمعنى الحرفي، فكانوا يتوهّمون أن المسيح يكون ملكاً جباراً يفتح البلاد ويحررهم من نير الرومان، ويجعل منهم وزراء وولاة في مملكته. ولم يخطر ببالهم أن ملكوت المسيح ملكوت روحي يحكم فيه بالمحبة والسلام والبر. فلما رأوه وديعاً متواضعاً ازدروا به.
وعلى هذا القياس توقَّعوا تحقيق نبوَّة ملاخي عن مجيء إيليا قبل مجيء المسيح حرفياً. فلما أرسل اليهود كهنة ولاويين ليسألوا يوحنا المعمدان إن كان هو إيليا الحقيقي فأجاب: لا، ولكنه لم ينكر أنه هو »إيليا« الذي تنبأ عنه النبي ملاخي، فإنه أوضح (في آية 23) أنه أتى ليمهد طريق الرب. وبقوله إنه ليس إيليا أزال أوهامهم عن إيليا، وبيَّن لهم الحقيقة، وهي أنه أتى بروح إيليا.
وفي قول ملاخي: »سيأتي إيليا« شبَّه المعمدان بإيليا. والقارئ المدقق لكلمة الله يرى بينهما أوجه شبه كثيرة، فيوحنا مثل إيليا في تقشّفه وزُهده وغيرته، ومثله في شهامته في توبيخ الأمراء والوجهاء لانحرافهم عن الحق. وورد في لوقا 1:17 أنه أتى بروح إيليا وقوته، فالمسيح قال إنه إيليا، وإنه أدّى مأموريته، وهي تمهيد الطريق أمام المسيح. فلا تناقض بين قول يوحنا وقول المسيح، فيوحنا نفى أوهام اليهود من أن إيليا الحقيقي الذي صعد إلى السماء حياً سيأتي بنفسه. ولم يكن المعمدان إيليا الحقيقي، ولكنه أتى بروح إيليا.
انظر تعليقنا على لوقا 1:17
قال المعترض: جاء في يوحنا 1:21 أنه بعد أن قال المعمدان إنه ليس المسيح ولا إيليا سأله شيوخ اليهود: »النبي أنت؟ فأجاب: لا«. وواضحٌ أنهم سألوه عن ثلاثة أنبياء بالتوالي: المسيح، وإيليا، والنبي. ولم يخالفهم المعمدان في ما سألوه عنه. فالنبي المشار إليه هنا لا هو إيليا ولا هو المسيح. كذلك النبي الذي تنبأ عنه موسى (تثنية 18:18) ليس هو المسيح ولا إيليا، بل نبي يأتي بعدهما«.
وللرد نقول: نرجو أن يراجع القارئ تعليقنا على تثنية 18:18 بخصوص النبي الذي كتب عنه موسى. وعليه فالنبي المشار إليه في سؤال اليهود ليوحنا المعمدان هو المسيح بذاته. وسأل اليهود عن الثلاثة، مبتدئين بالأخير إلى الأول، باعتبار ترتيب زمان ظهورهم، فقالوا للمعمدان: »أأنت المسيح؟« ظناً منهم أنه ربما يكون هو، فلما قال إنه ليس المسيح سألوه إن كان هو سابقه (أي إيليا- ملاخي 4:5 ومتى 17:10 ومرقس 9:11) فقال إنه ليس إيليا الحرفي (راجع تعليقنا على يوحنا 1:19 و20). ولما لم يفهم اليهود من هو يوحنا المعمدان، إذ لم يكن المسيح ولا إيليا، حاروا في أنفسهم والتجأوا إلى رأي ارتآه بعض اليهود، وهو أن النبي الذي كتب عنه موسى هو سابق آخر للمسيح. وليس من المعقول ولا المحتمل أن يكون سؤالهم ليوحنا عن نبي يأتي بعد المسيح، خصوصاً والمسيح نفسه لم يكن قد ظهر بعد. ولهذا يلزم أن يكون سؤالهم إما عن المسيح أو أحد سابقيه، لا عن نبي يأتي بعده.
انظر تعليقنا على لوقا 1:17.
قال المعترض: »جاء في يوحنا 1:29 و36 قول يوحنا المعمدان إن المسيح هو حمل الله، وهذا يناقض صفته في رؤيا 5:5 أن المسيح هو الأسد الخارج من سبط يهوذا، فالأسود تلتهم الحملان«.
وللرد نقول: التشبيهان يصحّان في المسيح، فهو كالحمل في نقائه ووداعته، وفي أنه الذبيحة الذي يرفع خطية العالم. وفي الوقت نفسه هو كالأسد في قوته ومُلكه. ولا تناقض بينهما، فكل تشبيه منهما ينقل لنا صورة عن المسيح، مختلفة عن الأخرى، لكنها لا تتناقض معها. نعم، كان المسيح حملاً وقت صلبه، وأسداً وقت قيامته.
اعتراض على يوحنا 1:33 - عرفه أو لم يعرفه؟
انظر تعليقنا على متى 3:14
اعتراض على يوحنا 1:35-46 - دعوة التلاميذ
انظر تعليقنا على متى 4:18-22
اعتراض على يوحنا 1:44 - أين سكن بطرس؟
انظر تعليقنا على مرقس 1:21 و29
قال المعترض: »ورد في إنجيل يوحنا 1:51 »الحق الحق أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان«. وهذا خطأ، لأن هذا القول كان بعد معمودية المسيح، وبعد نزول الروح القدس، ولم ير أحدٌ بعدهما أن السماء انفتحت، وملائكة الله صاعدة ونازلة على المسيح«.
وللرد نقول: »ترون ابن الإنسان« تعني تتأكدون. فهي لا تعني النظر بالعين، بل العلم واليقين. وقوله »السماء مفتوحة« عبارة مجازية تعني إغداق البركات (كما في مزمور 78:23-24) »وفتح مصاريع السموات وأمطر عليهم منّاً للأكل«. وأيضاً تدل على عمل معجزة لتأييد أمرٍ ما (متى 3:16). وهي تدل هنا على معجزة. وفي هذه العبارة إشارة ظاهرة إلى السُّلَّم الذي رآه يعقوب في الرؤيا، وكانت الملائكة صاعدة ونازلة عليها (تكوين 28:18).
وقوله: »الملائكة صاعدة ونازلة« فالملائكة جميعهم أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عبرانيين 1:14). وقد تحقق قول المسيح من صعود ونزول الملائكة عليه، فقد خدمته الملائكة وقت التجربة في البريّة (مرقس 1:13) ولما كان في البستان (لوقا 22:43). بل كانت الملائكة حاضرة لما قام من الأموات، فالمسيح أوضح لنثنائيل أن الملائكة خدمته وقت تجسده، ووقت مكايد وحيل أعدائه، ووقت موته وصلبه وقيامته، مما دلّ على أنه الكلمة الأزلي.
اعتراض على يوحنا 2:1 و2 - أين ذهب المسيح بعد معموديته؟
انظر تعليقنا على مرقس 1:12 و13
قال المعترض: »نقرأ في يوحنا 2:1-11 »قصة تحويل الماء إلى خمر. فهل هذا تحليلٌ لشرب الخمر؟ وهل شرب المسيح خمراً؟ ولماذا قال المسيح للعذراء مريم: »مالي ولك يا امرأة؟« أما كان يمكنه أن يقول: »مالي ولك يا أماه« احتراماً للأمومة؟«.
وللرد نقول: كان شرب الخمر مقبولاً عند اليهود، وكانوا يسكبون الخمر على الذبائح (خروج 29:40)، وكانوا يدفعون عشور خمورهم لبيت الرب (تثنية 18:4). وقد مُنع شربه على النذير الذي ينذر نفسه للرب خلال فترة نذره فقط (العدد 6:3). كما مُنع على الكاهن أثناء أدائه خدمته في القدس (لاويين 10:9). على أن السُّكر بالخمر هو الذي كان ممنوعاً (إشعياء 5:11-17 و1كورنثوس 5:11 و6-10 وأفسس 5:18 و 1بطرس 4:3).
وقد وُصف المسيح بأنه شرّيب خمر ومحبٌّ للعشّارين والخطاة (متى 11:19 ولوقا 7:34). ووصف بولس الخمر دواءً لتلميذه تيموثاوس كنصيحة طبية (1تيموثاوس 5:23).
أما عن معجزة تحويل الماء إلى خمر، فهي أولى معجزات المسيح. وقول المسيح لأمه: »ما لي ولك يا امرأة« تعبير عبري يتوقف معناه على نبرة صوت قائله، فإذا قال التعبير بحِدَّة فهو يوبِّخ الذي يكلمه. ولا يمكن أن يكون المسيح الكامل في تصرفاته قد كلم أمه بحدَّة وهي العذراء المطوَّبة. ولا بد أنه قاله في رِقَّة، والمعنى في هذه الحالة هو: »لا تقلقي. أنتِ لا تعرفين ما سأفعله، لكن اتركي الأمر لي وسأعالجه بطريقتي. أنا سأتصرَّف«.فالمسيح قدَّم نصيحة بكل المحبة.
قال المعترض: »كان كلام المسيح في كثير من الأحيان غامضاً حتى لم يفهمه معاصروه وتلاميذه، ما لم يفسره لهم بنفسه، كقوله في يوحنا 2:19-23 »انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه«. وهي نبوَّة عن موته، وكذلك عدم فهم التلاميذ موت المسيح (لوقا 9:44 و45 و18:31-34)، وكذا تعبيره عن موت الصبيَّة وموت لعازر بالنوم (لوقا 8:52 و53 ويوحنا 11:11)، وكذا تحذيره لتلاميذه من خمير الفريسيين أي تعليمهم ونفاقهم (متى 16:6-12)، وكذا تشبيه تجديد القلب بولادة جديدة (يوحنا 3:3-10)، وكذا تشبيه نفسه بخبز الحياة (يوحنا 6:55)«.
وللرد نقول: أقوال المسيح واضحة لمن يريد أن يفهم المعاني الروحية، فقد ورد في مرقس 4:33 و34 »وبأمثال كثيرة مثل هذه كان يكلّمهم حسبما كانوا يستطيعون أن يسمعوا، وبدون مثلٍ لم يكن يكلمهم«. فسبب عدم فهمهم ليس لصعوبة الكلام، بل لعَمَى الأفهام.
(1) من أسباب عدم فهم اليهود قول المسيح عن نقض الهيكل وإقامته في ثلاثة أيام (يوحنا 2:19-23) وعجزهم أن يفهموه عندما تحدَّث عن موته (لوقا 9:44 و45 و18:31-34)، أنهم كانوا يتوقعونه ملكاً أرضياً يحررهم من الاستعمار الروماني. فلما أتى متواضعاً رفضوه، ولم يدروا أن مملكته روحية فإنه يملك على القلوب بالمحبة. ولما رأوا معجزاته وكيف كان يفتح أعين العميان ويقيم الموتى، وكانوا متأكدين أنه قادر على ملاشاة العالم في طرفة عين، رفضوا أن يفهموا الحديث عن موته، ولم يدروا أنه كان ينبغي أن يتألم.
(2) النوم بمعنى الموت ورد في »لسان العرب«، فالمسيح (في لوقا 8:52 و53 ويوحنا 11:11) خاطبهم بالمتعارف عليه، ويقولون إن النوم موت قصير والموت نوم طويل. ووصف المسيح الموت بالنوم ليوضح لنا أن الموت ليس فناءً بل مجرد رقاد تعقبه القيامة. والذي ينام يستريح، ويقوم، كما قيل: »طوبى للأموات الذين يموتون في الرب، نعم يقول الروح، لكي يستريحوا من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم« (رؤيا 14:13).
(3) أما إشارة المسيح إلى نفاق الفريسيين وتعليمهم ووصفه بالخمير (متى 16:6-12) فمفهوم عند اليهود، الذين حرَّمت شريعتهم الخمير في معظم التقدمات (خروج 34:25 ولاويين 2:11).
(4) وكان حديث المسيح لليهود عن الولادة الثانية مفهوماً عندهم (يوحنا 3:3-10)، لأنه لما كان وثنيٌّ يتحوَّل إلى اليهودية كانوا يعمِّدونه معمودية المهتدين، ويعتبرون كل روابطه السابقة مقطوعة، ويحسبونه طفلاً حديث الولادة. وهذا استعارة مفهومة على مستوى قانوني.. وقد انصبَّ اهتمام اليهود على الطقوس الخارجية من الغسلات وخلافها، فنبّههم المسيح إلى هذا الخطأ وقال: »ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان.. وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا ينجس الإنسان« (متى 15:11 و20). وكان يمكن لسامعي المسيح أن يفهموا ما قاله، فقد ورد في مزمور 51:10 و11 »قلباً نقياً اخلُقْ فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدِّدْ في داخلي. لا تطرَحْني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزِعْه مني«. وكذلك في حزقيال 36:26.
(5) أما تشبيه المسيح نفسه بخبز الحياة فلأنه يعطي المؤمن حياةً أبدية، كما أن الخبز المادي يعطي حياة للجسد (انظر تعليقنا على يوحنا 6:55).
اعتراض على يوحنا 3:3-10 - هل كلام المسيح غامض؟
انظر تعليقنا على يوحنا 2:19-23
قال المعترض: »جاء في يوحنا 3:13 »ليس أحدٌ صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء«. ولكن صعد إلى السماء أخنوخ (تكوين 5:24) وإيليا (2ملوك 2:11) وبولس (2 كورنثوس 12:2)«.
وللرد نقول: السماء التي نزل منها المسيح وإليها صعد ليست هي التي صعد إليها أخنوخ وإيليا وغيرهما، فهناك:
(1) سماء الطيور: وهي الجو المحيط بنا، وتحدَّث الكتاب عن طير السماء (تكوين 1:26 و7:3). فيها السحاب ومنها يسقط المطر (تكوين 8:2)، وفيها تطير الطائرات.
(2) وهناك سماء أعلى من سماء الطيور، هي سماء الشمس والقمر والنجوم، أي الفلَك أو الجلَد »ودعا الله الجلَد سماءً« (تكوين 1:8). وتحدَّث الكتاب عن نجوم السماء (مرقس 13:25) التي خلقها الله في اليوم الرابع، عندما قال: »لتكن أنوار في جلد السماء لتنير على الأرض، فعمل الله النورين العظيمين .. والنجوم« (تكوين 1:14-17). وهذه هي السماء التي ستنحل وتزول في اليوم الأخير مع أرضنا (متى 5:18). وقال القديس يوحنا: »ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد« (رؤيا 21:1).
(3) السماء الثالثة هي الفردوس التي صعد إليها بولس، وقال عن نفسه »اختُطف هذا إلى السماء الثالثة. اختُطف إلى الفردوس« (2كورنثوس 12:2 و4). وهي التي قال عنها الرب للص التائب: »اليوم تكون معي في الفردوس« (لوقا 23:43). وهي التي نقل إليها الرب أرواح أبرار العهد القديم الذين انتظروا على رجاء، وإليها تصعد أرواح الأبرار الآن إلى يوم القيامة، حيث ينتقلون إلى أورشليم السمائية (رؤيا 21).
(4) وأعلى من كل هذه السماوات توجد سماء السموات، التي قال عنها داود في المزمور: »سبّحيه يا سماء السموات« (مز 148:4). وهي التي قال عنها المسيح: »ليس أحد صعد إلى السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء« (يوحنا 3:13). إنها سماء عرش الله التي أمرنا المسيح ألا نحلف بها لأنها كرسي الله (متى 5:34). عن هذه السماء تساءل الحكيم: »من صعد إلى السماء ونزل؟ ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت؟« (أمثال 30:4).
اعتراض على يوحنا 3:22-24 - متى بدأت خدمة المسيح؟
انظر تعليقنا على مرقس 1:14
قال المعترض: »في يوحنا 4:22 قال المسيح للمرأة السامرية إن »الخلاص هو من اليهود« فلماذا اختار الله أن يتجسّد من اليهود دون غيرهم من البشر؟ وألا يدل تجسّد الله من جنس خاص أنه يتحيّز لشعب خاص، مما لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين؟«.
وللرد نقول: (1) لو لم يتّخذ الله لنفسه جسداً من اليهود، لاتَّخذه من شعب آخر. وفي هذه الحالة يكون قد تجسّد أيضاً من جنس خاص دون غيره من الأجناس، ولذلك فإن هذا الاعتراض لا مجال له إطلاقاً. كما أن الادّعاء بأن تجسُّد الله من جنس خاص لا يتناسب مع محبته للبشر أجمعين، قد دلّت الحقيقة الواقعة على عدم صدقه، لأننا إذا درسنا حياة المسيح على الأرض وجدنا أنه كان يحب الجميع على السواء. فقد شمل بإحسانه جميع الناس على اختلاف أجناسهم (لوقا 17:6). وكان يناديهم: »تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال (بدون استثناء) وأنا أريحكم« (متى 11:28). وقال: »لي خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة (أي حظيرة اليهود). ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد« (يوحنا 10:16). ولذلك قال الوحي عنه إنه »جعل الاثنين (أي اليهود والأمم) واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة)، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً« (أفسس 2:14 و15). وقال أيضاً: فإن فيه »ليس يوناني ويهودي، ختان وغرلة، بربري سكيثي، عبد حر« بل الجميع واحد (كولوسي 3:11). وقد أدرك هذه الحقيقة الأستاذ سافير اليهودي، فقال: »كان يسوع يهودياً، ومع ذلك كان من جنس البشر جميعاً«. وقال غيره: »المسيح هو »ابن الإنسان« وهو ليس لعصر خاص أو لجماعة خاصة، بل تخطى كل الحواجز التقليدية والاجتماعية والسياسية والجنسية، وأحب كل الناس بلا استثناء«. ولا غرابة في ذلك فقد كان »ابن الإنسان« أو »ابن الإنسانية«.
(2) يسهل تنفيذ التعليم الذي أتى به المسيح على كل الناس في كل البلاد والأوقات. فمثلاً لم يأمر الناس بالصلاة في أوقات خاصة مرتبطة بساعات النهار أو الليل، ولم يحلل لهم تناول بعض الأطعمة دون الأخرى، ولم يحدِّد لهم مواعيد للمواسم والأعياد مرتبطة بأوقات الحصاد وأوجه القمر، كما كانت الحال مع اليهود الذين عاشوا في منطقة جغرافية محددة، بل أمرهم أن يصلّوا في كل حين (لوقا 18:1) وأن ما يدخل الفم لا ينجِّس الإنسان، بل ما يخرج منه، لأن من الفم تخرج أقوال الشر التي هي النجاسة (مرقس 7:15). وطلب منهم على لسان رسوله، أن تكون حياتهم كلها أعياداً روحية، تتجلى فيها القداسة والطهارة والصلة الحقيقية مع الله (1كورنثوس 5:8). ولذلك فإن تعليمه يمكن تنفيذه لا في بلاد فلسطين وحدها، بل في الجهات القطبية التي تغيب عنها الشمس نصف العام، ويغيب عنها القمر النصف الآخر، كما يمكن تنفيذه في الجهات القاحلة التي لا زرع فيها ولا حصاد.
(3) طبعاً ليس هناك فضل لجنس على الآخر عند الله. وإن كان هناك فضل لأحد على الآخر عنده، فأتقى الناس أفضلهم، لأنه ليس لدى الله محاباة (غلاطية 2:6). وقد شهد الوحي بهذه الحقيقة فقال إن كل من يصنع البر في أي أمة مقبول عنده (أعمال 10:35). ولما وجد أن إبراهيم أتقى الناس الذين عاشوا في جيله، اختاره ودعاه خليلاً له (يعقوب 2:23). ثم اتّخذه وسيلة لإعلان اسمه بين الناس، ووعده بأن في نسله ستتبارك كل أمم الأرض (تكوين 12:3). ونظراً لأن الله لا يلغي ولا ينسى وعداً من وعوده مهما طال عليه الزمن، اختار من ذرية إبراهيم في الوقت الذي استحسنه، فتاة، طهَّرها واصطفاها ليتجسّد منها ويبارك في نسلها كل أمم الأرض.
(4) فإذا تأملنا حياة المسيح على الأرض، وجدنا أنه وإن كان تجسّد من اليهود للسبب المذكور، إلا أنه كان متجرِّداً من الجنسية اليهودية، بل ومن الروابط العائلية التي هي من أقوى الروابط وأدقّها، فكل علاقاته كانت بين الله والناس بصفة عامة. فمثلاً عندما قيل له مرة: »أمك وإخوتك يطلبونك« أجابهم: »من أمي وإخوتي!« ثم نظر إلى المؤمنين الجالسين حوله وقال: »ها أمي وإخوتي، لأن من يصنع مشيئة الله، هو أخي وأختي وأمي« (مرقس 3:35). ولما رفعت امرأة صوتها قائلة له: »طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما« أجابها »بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه« (لوقا 11:27). ولما اعترضته السامرية: »كيف تطلب مني ماء لتشرب، وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية، لأن اليهود لا يعاملون السامريين« (يوحنا 4:9) لم يتراجع عن الحديث معها ولم يوبخها، بل واصل حديثه معها