شبهات وهميَّة حول سفر التثنية

شبهات >> شبهات وهمية حول الكتاب المقدس

قال المعترض: «تدل بعض فقرات سفر التثنية  أن كاتبها لا يمكن أن يكون موسى، فكاتب التثنية لا بد أن يكون معاصراً لداود أو بعده».

وللرد نقول: لا يُعقل أن الله أوحى الشريعة لموسى، ولم تدوَّن إلا بعد وفاته بخمسمائة سنة، وكيف يكلف الله بني إسرائيل بحفظ شريعة الله غير مدوَّنة؟ وكيف يأمرهم موسى بأن يكتبوها على قلوبهم ويحفظوها ويقيموا سننها وفرائضها ويعلموها لأولادهم وينقشوها على الحجارة وهي غير مدوَّنة؟

ونقدم الأدلة التالية على تدوين الشريعة في عهد موسى:

(1) أعلن بنو إسرائيل في مختلف عصورهم أن موسى سلّمهم الشريعة ليقوموا بأحكامها. فإن كان لا يجوز لنا أن نتَّهم أهل أثينا الذين طبَّقوا قوانين صولون في معاملاتهم بخطإ معتقدهم، ولا يجوز أن نرمي سكان إسبرطة الذين سلكوا حسب قوانين ليكارجوس بالخطأ، بدعوى أن هذه القوانين ليست قوانين ذينك الرجلين، فكيف نقدر أن نرمي بني إسرائيل بالخطأ في قولهم إنهم متمسكون بشريعة موسى وسالكون بموجبها؟ يقول سفر التثنية «وكتب موسى هذه التوراة وسلَّمها للكهنة بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل» (تثنية 31: 9).

(2) أشار داود النبي إلى الشريعة في مزاميره وحضَّ في أغلبها على التمسك بها، وهذا يدل على تداولها (انظر مزموري 1 و19). وقال الملك سليمان لقومه بعد أن دشَّن الهيكل: «ليكن الرب إلهنا معنا كما كان مع آبائنا.. ليميل بقلوبنا إليه لكي نسير في جميع طرقه ونحفظ وصاياه وفرائضه وأحكامه التي أوصى بها آباءنا» (1ملوك 8: 57، 58). فكيف حافظ الآباء على وصايا الرب مدة 500 سنة لو لم تكن مدوّنة عندهم؟

(3) قال موسى لبني إسرائيل قبل وفاته: «وجِّهوا قلوبكم إلى جميع الكلمات التي أنا أشهد عليكم بها اليوم، لكي توصوا بها أولادكم ليَحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة» (تثنية 32: 46). ولما قام يشوع بعد موسى أمره الله: «كن متشدداً وتشجع جداً، لتتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي. لا تمِل عنها يميناً ولا شمالاً لتفلح حيثما تذهب. لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك، بل تلهج فيه نهاراً وليلاً، لتتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه، لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح» (يشوع 1: 7، 8). وحضَّ يشوع بن نون خليفة موسى بني إسرائيل في يشوع 23: 6 بأن يحافظوا على شريعة موسى ويقيموا أحكامها. فهل نتصوّر أن يأمرهم بحفظ شريعة ستُكتب وتُدوّن بعد 500 سنة؟

    (4) فإذا بدا للمعترض أن بعض فقرات سفر التثنية من كتابة نبي معاصر للملك داود أو من بعده، تكون قد كُتبت بوحي الروح القدس الذي يوحي لجميع أنبياء الله، لا نفرِّق بين أحدٍ منهم.

قال المعترض: «قال آدم كلارك إن ما ورد في تثنية 1:1-5 مقدمة لباقي الكتاب وليست من كلام موسى».

وللرد نقول: جرت العادة أن النبي أو الكاتب أو الشاعر أو الناثر يتكلم عن نفسه بصيغة الغائب، فافتتح موسى سفر التثنية بالقول: «هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن». وقال في آية 3 «كلم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم. بعد ما ضرب سيحون ملك الأموريين وعوج ملك باشان». ثم قال في آية 6 «الرب إلهنا كلّمنا». وحديث المتكلم عن نفسه بضمير الغائب يُسمَّى الالتفات إذ ينتقل من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم. وكثيراً ما افتتح بولس الرسول رسائله بالقول: «بولس عبد يسوع المسيح».

وحتى لو فرضنا أن موسى لم يكتب هذه الآيات، فإن الله كلّف نبياً آخر بكتابتها. ولما كان الله هو مصدر كل الوحي الإلهي، فإنه يكلف من يشاء بتدوين ذلك الوحي. واعتراض المعترض لا ينقص من قدر هذه الآيات.

قال المعترض: «جاء في التثنية 1:1 «وهذا هو الكلام الذي كلّم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن في البرية» بينما يقول تثنية 34 إن موسى مات قبل أن يعبر بنو إسرائيل نهر الأردن».

وللرد نقول: «عبر الأردن» تعني الضفة الشرقية كما تعني الضفة الغربية لنهر الأردن. وقد ألقى موسى خطابه في الضفة الشرقية، قبل أن يعبر بنو إسرائيل إلى الضفة الغربية.

اعتراض على تثنية 2: 4، 8 - العبور عن أرض بني عيسو

انظر تعليقنا على العدد 20: 18-21

قال المعترض: «ورد في تثنية 2: 12 «وفي سعير سكن قبلاً الحوريون، فطردهم بنو عيسو وأبادوهم من قدامهم وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التي أعطاهم الرب». ولا بد أن هذه الآية أُضيفت في زمن لاحق، بدليل قوله: «كما فعل إسرائيل».

وللرد نقول: توهَّم المعترض أن بني إسرائيل لم يمتلكوا شيئاً زمن موسى، وأنهم امتلكوا أرض ميراثهم بعد موته، مع أن بني إسرائيل امتلكوا أراضي شرق الأردن زمن موسى، وامتلكوا أراضي غرب الأردن وقت يشوع بن نون. فالقول: «كما فعل إسرائيل» توضيحٌ لما فعله بنو عيسو في الحوريين، وموافق لزمن موسى.

قال المعترض: «ورد في تثنية 2: 19 أمر إلهي لبني إسرائيل بعدم مهاجمة بني عمون. ولكن بني إسرائيل استولوا على أرضهم كما نقرأ في يشوع 13: 24، 25».

وللرد نقول: عندما أخذ بنو إسرائيل هذا الجزء من الأرض كان قد انتقل من يد العمونيين إلى يد الأموريين، بعد أن حارب الأموريون العمونيين وأخذوا أرضهم (قضاة 11: 12-28). فيكون أن بني إسرائيل أخذوا أرض الأموريين، لا العمونيين.

قال المعترض: «ورد في تثنية 3: 11 «عوج ملك باشان وحده بقي من بقية الرفائيين. هوذا سريره سريرٌ من حديد. أليس هو في رَبَّة بني عمون؟ طوله تسع أذرع، وعرضه أربع أذرع بذراع رجل». ولا يمكن أن يكون موسى قد كتب هذه الآية، بل كتبها يشوع».

    وللرد نقول: أولاً سواء كتبها موسى أو يشوع فهي من وحي الله، ومن تسجيل نبي ملهَم. ولكننا نقول إن بني إسرائيل تحت قيادة موسى هزموا عوج وقومه (العدد 21: 33 وتثنية 1: 4 و3:3 و29: 7 ويشوع 2: 10)، واستولى موسى على ستين مدينة من مدنه (انظر تثنية 3: 1-13 ويشوع 9: 10 و13: 12، 30). وقال المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن سيحون ملك الأموريين كان حليفاً لعوج، فهزم موسى الأموريين، ثم استولى على مدن عوج وحصونها وأسوارها الشامخة. ولا ننكر أن بني إسرائيل لم يستولوا على ربة بني عمون إلا في عهد داود (2صموئيل 12: 26) غير أنه كان مشهوراً في عصر موسى أن بني عمون انتصروا على عوج وغنموا هذا السرير الضخم ووضعوه في مدينتهم «ربة». فسجَّل موسى أمراً كان مشهوراً في عصره ليوضح النصر الكبير الذي منحه الله لهم على هذا العاتي، ضخم الجثة!

قال المعترض: «ورد في تثنية 3: 14 «يائير ابن منسى أخذ كل كورة أرجوب إلى تخم الجشوريين والمعكيين، ودعاها على اسمه باشان حَوُّوثِ يائير إلى هذا اليوم». فقوله: «إلى هذا اليوم» يدل على أن المتكلم كان متأخراً، وأنه كتب ما كتبه بعد أن سكن بنو إسرائيل في فلسطين. والأغلب أن هذه العبارة كانت في الهامش فأُلحقت بالنصّ».

وللرد نقول: القول «إلى هذا اليوم» من كلام موسى، الذي وصف ما خصّ يائير من الأراضي في الزمن الماضي، ثم أردف كلامه بقوله إن هذه الحصة باقية باسمه إلى يوم تدوين التوراة. فيجوز  للمؤلف أن يصف شيئاً ثم يردفه بقوله: «وصِفَتُهُ هذه باقيةٌ إلى يومنا هذا».

اعتراض آخر على التثنية 3: 14 - يائير، ابن من؟

انظر تعليقنا على العدد 32: 41

اعتراض على التثنية 4: 10-15 - الشريعة، في جبل سيناء أو حوريب؟

انظر تعليقنا على خروج 19: 11

اعتراض على تثنية 5: 15 - لماذا يحفظون السبت؟

انظر تعليقنا على خروج 20: 11

قال المعترض: «أمر الرب بني إسرائيل في تثنية 7: 3 بعدم الزواج من أجنبيات. ولكن الملك سليمان تزوج أجنبيات كما جاء في 1ملوك 3: 1».

وللرد نقول: الحكمة في عدم الزواج من أجنبية أنها وثنية قد تجرّ زوجها للعبادة الصنمية. ولكن لو آمنت السيدة الوثنية بالإله الحي الحقيقي فإنها تدخل في جماعة الرب، كما حدث مع راعوث (1: 4 و4: 3). ولعل سليمان ظن أنه سيقدر أن يربح زوجاته الأجنبيات لعبادة يهوه. ولكن ظنه خاب، فقد جعلته زوجاته الغريبات يخطئ وينحرف، فعاقبه الله لأنه خالف شريعة الله. وهذه من خطايا سليمان (نحميا 13: 26). لا تناقض هنا، بل هنا أمر إلهي لم يطعْهُ سليمان، فنال جزاء من يعصى ربه.

قال المعترض: «جاء في تثنية 7: 22 «ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك قليلاً قليلاً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعاً لئلا تكثر عليك وحوش البرية». هذا يعني أن عدد بني إسرائيل لم يكن مليونين ونصف».

وللرد نقول: انظر تعليقنا على الخروج 12: 37، 38.

قال المعترض: «جاء في تثنية 8: 2 «وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يُذلَّك ويجرّبك، ليعرف ما في قلبك: أتحفظ وصاياه أم لا؟». وهذا ينسب عدم المعرفة لله، وهو مستحيل!  كما أنه يناقض ما قاله رسل المسيح في أعمال الرسل 1: 24 «أيها الرب العارف قلوب الجميع».

وللرد نقول: لا توجد آية واحدة في الكتاب المقدس تنفي علم الله بكل شيء. أما العبارات التي تفيد أنه يمتحن الناس ليعرف قلوبهم فليس معناها أنه يجهل خفايا القلوب. ولكن معناها أن الله يمتحن الناس ليعلّمنا أنه سبحانه يُدخل الإنسان في ظروف مخصوصة ليتضح بالبرهان صدق معرفة الله السابقة لخفايا القلب ونياته. ومعنى هذا أن اكتشاف قلب الإنسان يكون ببرهان عملي يتفق مع حكم الله عليه.

وللإيضاح نقول مثلاً إن أستاذ الكيمياء، يشرح حقيقة علمية لتلاميذه يقول لهم:  دعوني أمزج هذا الحامض بهذه المادة لنرى ماذا تكون النتيجة، وهو يعرف مقدماً نتيجة المزج المزمع عمله. هكذا الحال عندما يرسل الله التجارب إلى الإنسان، فهو يقصد بها امتحاناً ليس هو نفسه في حاجة إليه. ولكنه يقصد خير الإنسان نفسه وتبرير طرق معاملاته للناس. لقد ظهرت طاعة إبراهيم لله عندما قبل أن يضحّي بابنه الوحيد حسب أمر الله، وكان هذا برهاناً عملياً على محبة إبراهيم لله. كما أن إيمان إبراهيم في الوقت نفسه قد تشدد. وإذا شك أحد في أمانة إبراهيم وإخلاصه لله، فتكفيه الإشارة إلى عمل طاعته هذه الفائقة. وعندما قال الله لإبراهيم: «الآن علمتُ أنك خائف الله» (تكوين 22: 12) لم يكن يقصد أنه لم يكن يعرف فعرف، بل إنه أعلن عظمة إيمان إبراهيم ببرهان ملموس.

وعلاوة على ما تقدم نرى أن انتصار أبطال الإيمان يشجع أولاد الله في كل عصر على السير في خطواتهم. فإبراهيم انتصر في هذه القضية انتصاراً باهراً، وسُطِّر خبر هذه النصرة في الكتاب لأجلنا نحن (انظر رومية 4: 23، 24) فالآيتان المشار إليهما إذاً لا تتناقضان.

انظر تعليقنا على تكوين 22: 12.

قال المعترض: «نفهم من تثنية 10: 3 أن موسى صنع تابوت العهد بعد تيهان الأربعين سنة في صحراء سيناء، بينما نفهم من عدة فصول أخرى مثل خروج 25: 10 و35: 12 و37: 1 أن التابوت صُنع قبل سنوات التيهان».

وللرد نقول: يبدأ موسى موعظته المدوَّنة في التثنية 10 بالقول: «في ذلك الوقت قال لي الرب: انحت لك لوحين من حجر مثل الأوَّلين.. واصنع لك تابوتاً من خشب» فكان يروي أحداث أربعين سنة مضت، فأورد الأمور المتصلة ببعضها معاً بغضّ النظر عن الفاصل الزمني بين وقت الوعظ ووقت عمل التابوت ونحت لوحي الحجر، فقال إنه صنع التابوت ونحت لوحي حجر، وهو يعني ما سبق أن فعله منذ أربعين سنة. لقد صُنع التابوت في أوائل سنوات التيهان، ونُحت اللوحان بعد ذلك. وموسى يسترجع ما سبق عمله «في ذلك الوقت».

قال المعترض: «قال آدم كلارك في تفسيره على تثنية 10 ما ملخَّصه أن الترجمة السامرية للنص هي الأصح من النص العبري، وقال إن الآيات 6-9 دخيلة على النصّ، بحيث لو سقطت لارتبط الكلام ارتباطاً حسناً».

وللرد نقول: الذي يعنينا دوماً هو النص العبري، فهو القانوني، والذي نقلت عنه الترجمة السبعينية باللغة اليونانية. ويبدو أن الترجمة السامرية حاولت الجمع والتوفيق بين ما ورد في تثنية 10 وما ورد في سفر العدد 33: 31-34. أما النص العبري فباق على أصله. ويقول سفر العدد «ثم ارتحلوا من مُسيروت ونزلوا في بني يَعْقان، ثم ارتحلوا من بني يعقان ونزلوا في حُور الجِدجاد، ثم ارتحلوا من حور الجدجاد ونزلوا في يُطبات، ثم ارتحلوا من يطبات ونزلوا في عَبْرونة». وهذا ما ورد في تثنية 10: 6، 7 «وبنو إسرائيل ارتحلوا من آبار بني يَعْقان إلى موسير. هناك مات هارون وهناك دُفن، فكَهَن ألعازار ابنُه عوضاً عنه. من هناك ارتحلوا إلى الجِدْجود، من الجدجود إلى يُطبات، أرض أنهار ماء». وواضحٌ أن الرحلة الواردة في سفر التثنية هي غير الرحلة الواردة في سفر العدد، والدليل على ذلك أن بني إسرائيل كانوا مضطرين بعد وفاة هارون أن يسافروا من جبل هور في طريق بحر سوف، ليدوروا بأرض أدوم حتى أُرهقوا، لأن الأدوميين لم يسمحوا لهم بالمرور في أرضهم (عدد 21: 4 و20: 21). فالعَوْد إلى تلك الجهات السابقة ضايق بني إسرائيل، فساروا في طريق مختلفة، ولكن تعيَّن عليهم العروج على هذه الأماكن الأربعة بترتيبٍ مخالف للترتيب السابق، ولم يحتاجوا في المرة الثانية إلى النزول في تلك المحطات، فلذا قال في سفر التثنية إنهم «سافروا» ولو أنه قال في سفر العدد إنهم «نزلوا».

ولعل البعض ظن أن هذه الآيات دخيلة، لأن موسى كان يقصّ على بني إسرائيل ما فعله، ثم انتقل إلى الكلام عن رحلات بني إسرائيل، ثم عاد إلى الوعظ.

اعتراض على تثنية 10: 6 - مكان موت هارون

انظر تعليقنا على العدد 20: 27

قال المعترض: «جاء في تثنية 11: 25 «لا يقف إنسان في وجهكم. الرب إلهكم يجعل خشيتكم ورعبكم على كل الأرض التي تدوسونها كما كلمكم». ولكن أعداء بني إسرائيل قاوموهم وهزموهم في عاي (يشوع 7: 4) وأخيراً سباهم الأشوريون (2ملوك 16: 9) والبابليون (2ملوك 25: 22) فيكون أن تثنية 11: 25 نبوَّة كاذبة».

وللرد نقول: ليست هذه الآية نبوَّة كاذبة، لكنها وعدٌ مشروط، بدأ بالقول في آية 22 «إذا حفظتُم جميع هذه الوصايا التي أنا أوصيكم بها لتعملوها، لتحبوا الرب إلهكم وتسلكوا في جميع طرقه وتلتصقون به.. لا يقف إنسان في وجهكم». وعندما أطاع بنو إسرائيل الرب انتصروا على المدينة الحصينة أريحا (يشوع 6) ولما عصوه هزمتهم بلدٌ صغيرة هي عاي (يشوع 7).

قال المعترض: «جاء في تثنية 12: 15 أمرٌ يبيح لبني إسرائيل أكل الطاهر والنجس، وهذا يناقض ما جاء في تثنية 14: 3 الذي ينهى عن أكل النجس».

وللرد نقول: لا تناقض. فقد انقسمت الحيوانات حسب الشريعة الموسوية إلى الحرام للأكل والذبائح معاً، مثل الأرنب والخنزير. وهناك الحرام للذبائح ولكنه حلال للأكل مثل الإيل والظبي. وهناك الحلال للأكل وللذبائح معاً، كالبقر والضأن والمعز (انظر تعليقنا على لاويين 17: 3، 4).

اعتراض على تثنية 12: 7 - البكر للكاهن، أم لصاحبه؟

انظر تعليقنا على العدد 18: 12

اعتراض على تثنية 12: 24 - سفك دم الصيد وتغطيته بالتراب

انظر تعليقنا على لاويين 17: 13

اعتراض على تثنية 14: 22-26 - عدم فداء البكر، أم بيعه؟

انظر تعليقنا على العدد 18: 17

اعتراض على تثنية 15: 12 - فك العبد، في سنة اليوبيل أم السنة السابعة؟

انظر تعليقنا على لاويين 25: 39-41

اعتراض على تثنية 16: 1-7 - ذبح حمل الفصح في البيت أم في الهيكل؟

انظر تعليقنا على خروج 12: 7

قال المعترض: «نقرأ في تثنية 17: 14، 15 موافقة على أن يكون لبني إسرائيل ملك. ولكن لما طلب بنو إسرائيل ملكاً غضب الله عليهم وغضب نبيُّه صموئيل، كما نقرأ في 1صموئيل 8: 5-7 و12: 17».

وللرد نقول: لا يأمر سفر التثنية بإقامة ملك، لكن يتنبَّأ عمّا سيحدث، فيقول: «متى أتيت إلى الأرض.. فأنت تجعل عليك ملكاً». ولم يغضب الله من طلب بني إسرائيل ملكاً، بل غضب من أسلوب طلبهم وهدفهم، فقد أرادوا أن يكونوا «كسائر الشعوب» الوثنيين. كما كان طلبهم بتذمّر من حكم صموئيل وقضائه. فلم يكن اتجاههم الفكري سليماً، لأنهم كانوا يرفضون حكم الله عليهم، وكأنهم يتركونه ليعبدوا آلهة أخرى. وقد نال طلبهم موافقة الله، فقال الرب لصموئيل: «اسمع لصوتهم وملِّك عليهم ملكاً» (1صموئيل 8: 22).

قال المعترض: «يقول التثنية 18: 15، 18 «ويقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك، من إخوتك، له تسمعون.. أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلّمهم بكل ما أوصيه به». هذه نبوَّة عن نبي آتٍ، فالنبي الموعود به هنا لا يكون من بني إسرائيل، وعبارة «من وسطك» لم ترد في الترجمة السبعينية ولا في أسفار موسى عند السامريين، ولا في أعمال 3: 22 بل قيل: «من إخوتك» أي الإسماعيليين (قارن تكوين 25: 9 مع 18). ولم يقم نبي كموسى في إسرائيل بدليل تثنية 34: 10. ولكن قام نبيٌّ كموسى في جملة وجوه: كلاهما نشأ في بيوت أعدائهما، وكلاهما تنبأ بين عبدَة الأصنام، وكلاهما رفضه قومه أولاً ثم عادوا فقبلوه، والاثنان هربا من وجه أعدائهما: موسى هرب إلى مديان وهو هاجر إلى المدينة، واسما الموضعين بمعنى واحد، وكلٌّ منهما نزل إلى ساحة القتال وحارب الأعداء وعمل المعجزات، وساعد أتباعه من بعد موته على امتلاك فلسطين».

وللرد نقول: جاء في تثنية 34: 10 أنه «لم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى» بمعنى: إلى الوقت الذي كُتب فيه سفر التثنية. وكلمة «بعد» تفيد أن بني إسرائيل توقَّعوا أن يكون النبي منهم لا من خارج شعبهم.

أما عبارة «من وسطك» فهي واردة في أكثر النسخ. ومع ذلك فالمعنى بها وبدونها ظاهر. صحيح أن إسماعيل أخٌ لإسحاق من أبيه، فيكون بنو إسماعيل وبنو إسرائيل إخوة، ولكن الأَوْلى أن نعتبر أسباط إسرائيل الاثني عشر إخوة بعضهم لبعض، أكثر من اعتبارهم إخوة لبني عمومتهم. وواضح أن الكلام موجَّه إلى بني إسرائيل (يعقوب) في القول: «فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلا أن تتَّقي الرب إلهك.. وتعبد الرب إلهك» (تثنية 10: 12). وقد كثر في سفر التثنية اعتبار بني إسرائيل إخوة لبعضهم البعض (انظر 3: 18 و15: 7 و17: 15 و24: 14). وفي تثنية 17: 15 وردت عبارة مشابهة للتثنية 18: 15، 18 بخصوص مَن يجب أن يتوّجوه عليهم ملكاً، يقول فيها مخاطباً بني إسرائيل: «فإنك تجعل عليك ملكاً. الذي يختاره الرب إلهك من وسط إخوتك تجعل عليك ملكاً. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك». ولهذا فإن بني إسرائيل من أول تاريخهم إلى نهايته لم يتوّجوا أجنبياً ملكاً عليهم.

 أما النبي المنتظَر فموعودٌ به أن يُرسَل إلى بني إسرائيل. وأما النبي الذي يقصده المعترض فأعلن رسالته بين غير بني إسرائيل. أما وجوه المشابهة المشار إليها في آية البحث بين موسى والنبي المنتظَر أن يقوم من بني إسرائيل، فمشروحةٌ في تثنية 34: 10-12، وتنحصر في نقطتين: (1) معرفة الله وجهاً لوجه عند كلٍّ من النبيين. (2) المعجزات العظيمة لكل منهما.

ونقول أخيراً إن الله نفسه فسّر في الإنجيل ما أنبأ به في التوراة، وأظهر أن النبي الموعود به هو المسيح (قارن تثنية 18: 15، 19 «له تسمعون» مع متى 17: 5 ومرقس 9: 7 ولوقا 9: 35. ثم أن المسيح ذاته طبّق هذه النبوَّة وغيرها من نبوات التوراة على نفسه (يوحنا 5: 46 انظر تكوين 12: 3 و22: 18 و26: 4 و28: 14). أولاً:  لأنه من نسل يهوذا، وبالتالي من بني إسرائيل (متى 1:1-16 ولوقا 3: 23-38 وعبرانيين 7: 14) وصرف معظم حياته بين بني إسرائيل، وإليهم أرسل رسله أولاً، ولم يرسلهم إلى الأمم إلا أخيراً (متى 10: 6 ولوقا 24: 47 ومتى 28: 18-20). وفي أعمال 3: 25، 26 تصريح بأن آية البحث تشير إلى المسيح.

قال المعترض: «في تثنية 20: 16-18 «وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستَبْقِ منها نسمةً ما. تحرّمها تحريماً. الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك، لكي لا يعلّموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم، فتخطئوا إلى الرب إلهكم». وهذه الشريعة منسوخة بقول المسيح في لوقا 6: 35، 36 «بل أَحبوا أعداءكم، وأَحسنوا وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً، فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي، فإنه منعمٌ على غير الشاكرين والأشرار. فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضاً رحيم».

وللرد نقول: (1) كانت الأمم التي سكنت أرض كنعان قبل دخول بني إسرائيل إليها تحت قيادة يشوع في منتهى الشر والفجور، فلما أعطى الله شريعته لبني إسرائيل حذّرهم من الرذائل والرجاسات، وكرر لهم القول إنه قد حكم بالقضاء على أولئك الشعوب بسبب شرورهم (لاويين 18: 24-30). فإن كانت في تاريخ البشرية شعوب قد استوجبت غضب الله ونقمته فهي هذه الشعوب، لأن شرورهم كانت قد وصلت إلى أقصى حد.

(2) لا يمكن أن يُقال إن أولئك الشعوب كانت تنقصهم المعرفة، ولا بد أنّ ضمائرهم قد احتجَّت على شرورهم (رومية 1: 18-32). لقد كان عندهم الحق الذي ظهر نوره في حياة ملكي صادق، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، قبل القضاء على تلك الشعوب بنحو أربعة قرون ونصف، وهو يشهد ضدهم. ومن المحتمل أيضاً أن ملكي صادق كاهن الله العلي قد خلَّف بعده قوماً عبدوا الإله الحقيقي، لأن الله لا يترك نفسه في أي جيل بلا شاهد.

(3) يجب أن لا ننسى أيضاً أن الله إله المحبة هو إله العدل أيضاً. فهو يريد أن يغفر ويقبل، ولكن من يتمادى في رفض محبته والعصيان عليه لا بد أن يقع تحت عدله. وكما أننا على يقين من وجود سماء كذلك لا ريب في وجود جهنم. قد يتعذّر على عقولنا القاصرة ومعرفتنا الناقصة أن نوفّق بين عدل الله ونعمته، ولكن الكتاب يعلّم عن الحقيقتين بكل وضوح.. ثم أن هذا الأمر كان قضاءً من القاضي العادل على شعب معين في زمن معيَّن (كما في حادثة الطوفان) وليس إطلاقاً عاماً على كل العصور.

(4) ولم يكن أمراً خارقاً للعادة أن يأتي قضاء الله على تلك الأمم بلا استثناء كبير أو صغير. ففي حادثة الطوفان هلك الجميع رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً، ما عدا نوحاً وعائلته. وعند إحراق سدوم وعمورة لم ينجُ من تلك المنطقة إلا لوط وابنتاه. وكذلك في وقتنا الحاضر إذا وقع وبأ أو جوع على إقليم تعمُّ الضربة كل سكانه ولا يُستثنى الأطفال. ولما كانت طرق الله وأحكامه بعيدة عن الفحص وجب علينا التسليم بحكمته وعدم استغراب قضائه في هذه الحوادث وسواها. غير أن العقل البشري قد لا يجد في كل ما تقدم رداً على اعتراضه.

(5) من المحتمل أن الله من رحمته قضى على أولئك الأطفال ونقلهم من العالم الشرير قبل أن يكبروا فيسيروا في رجاسات أسلافهم، مسوقين بإرادتهم الشريرة النجسة. وكما يُستفاد من نور تعليم الكتاب أنه خيرٌ للطفل أن يموت في طفولته من أن يكبر ويعيش في الشر، ثم يموت في حالة عدم الإيمان بعد العصيان والتمرد على الله.

(6) يعترض البعض على عدم إعطاء الكنعانيين فرصة للتوبة، ظانين أنهم كانوا يتوبون لو أمر الله بني إسرائيل بإرشادهم وتعليمهم بدلاً من إهلاكهم. فعلاوة على ما سبقت الإشارة إليه في النقطة الثانية نقول: إن كان الله قد قَصَّر عهد النعمة لتلك الأمم الأثيمة فلا بد أنه قد تصرّف بحكمة، ورأى بعلمه السابق أن الإرشاد ما كان يفيد أولئك الفُجّار الأثمة!

(7) كان بقاء بني إسرائيل في حالة التعبّد الصحيح يستلزم ليس فقط إخضاع أولئك الأثمة وإذلالهم، بل استئصالهم والقضاء عليهم، لأنهم لو بقوا في أرض كنعان لكانوا خطراً دائماً على طهارة عبادة الله، الأمر الذي قد حصل فعلاً (كما نرى أخيراً في تاريخ بني إسرائيل). فخير إسرائيل الروحي قضى بالانتقام من أولئك الشعوب الأثمة. فيمكننا أن نقول في الختام إن الله في معاملته الكنعانيين بالعدل لم يتعدَّ ناموس رحمته، بمعنى أنه بيَّن محبته لإسرائيل باستئصال أولئك الفجار، الذين لو بقوا لجلبوا عليهم الانحطاط الروحي.

قال المعترض: «جاء في تثنية 21: 18-21 أن الأبوين يشكوان الابن المتمرّد لشيوخ المدينة ليرجمه الشعب بالحجارة، مع أن أفسس 6: 4 تطالب الآباء بعدم إغاظة أولادهم».

وللرد نقول: (1) الابن الذي يأخذه أبواه للقضاة لينال مثل هذا الجزاء هو المعاند ال