![]() |
|||||||||||||
|
|||||||||||||
|
القرآئن الدالة والمرجحة الرأي ان المسيح لم يمت على الصليب |
|||||||||||||
|
يقول المعترض أنه يوجد قرائن و أدلة على عدم صلب السيد المسيح و لقراءة الاعتراض كاملاً انقر هنا
القرينة الأولى
للرد نقول لم يكن ممكنًا للقدّيسين في ذلك الحين أن يدركوا الملكوت الداخلي، وبالتالي أن يتفَّهموا "سرّ الصليب و القيامة " و لقد وبخهم السيد المسيح على عدم معرفتهم أكثر من مرة لعدم فهمه بعد قيامته من بين الأموات ( راجع مر 16 : 14 ) و لقد قال لهم السيد المسيح ثلاث مرات بأنه سيصلب و يموت و يمكث في القبر و يقوم في اليوم الثالث من بين الأموات حيث قالها لهم جهاراً ( المرة الأولى راجع متى 16 : 21 + مر 8 : 31 , + لو 9 : 22 - 27 ) المرة الثانية (متى 17: 22 – 23 + مر 9 : 30 – 32 + لو 9 : 43 – 45 ) المرة الثالثة ( متى 20 : 17 – 19 + مر 10 : 32 – 34 + لو 18 : 31 – 34 ) كما أنه قال لهم بأنه سيلقاهم في الجليل بعد قيامته من بين الأموات لكنهم لم يدركوا هذا الكلام العظيم لذلك أرجو أن لا ترمي الكلام دون علم و تقول بأن السيد المسيح لم يتكلم عن موته و قيامته بين الأموت أما بالنسبة لقول المعترض لماذا لم يبقى التلاميذ مع السيد و لم يذهبوا للقبر نقول لك ياللاسف بأنك تعترض على كتاب لم تقرأه حتى لأنك لو قرأته لوجدت النبؤة التي تقول ( أضرب الراعي فتتبدد الخراف ) و التي كررها السيد المسيح في (متى 26 : 31 + مر 14 : 27) و قد وردت هذه النبؤة في سفر زكريا "اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ، وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ، وَأَرُدُّ يَدِي عَلَى الصِّغَارِ. زكريا 7.13" لقد تخلى التلاميذ عن معلمهم لانه لم يكن المسيح قد قام من الأموات، ولا أبطل الموت، ولا نزع الفساد، لذلك كان الخوف من الموت فوق احتمال البشر و هذا قول القديس كيرلّس الكبير و لقراءة المزيد عن هذا الموضوع بامكانك مراجعة ردنا على صفات التلاميذ في قسم مواضيع متنوعة
بالنسبة لتعدد الظهورات يقول المعترض بأنه قد اختلفت الروايات حول ظهور السيد المسيح و يضيف قائلاً بأن انجيل يوحنا لم يعلق على الموضوع ( من قال لك يا عزيزي بأن السيد المسيح قد ظهر فقط مرة واحدة لتلاميذه لكي تتكلم عن اختلاف الروايات ) مع العلم بأن انجيل معلمنا يوحنا قد وضح هذا الامر بشكل لا مجال للشك فيه حيث قال ("هذه مرة ثالثة ظهر يسوع لتلاميذه بعدما قام من الأموات". (14)) هذه المرة الثالثة في سياق بشارة معلمنا يوحنا و اليك الان تفسير القمص يعقوب ملطي في جمعه لتفاسير الآباء الأوليين
"هذه هي مرة ثالثة" ظهر فيها لتلاميذه وهم مجتمعون بالكامل أو أغلبيتهم. فقد ظهر لعشرة منهم (يو 20: 19)، ومرة أخرى لإحدى عشر (يو 20: 26)، وفي هذه الدفعة لسبعة منهم (يو21: 2). ويرى البعض أن هذا الظهور هو السابع بوجه عام بعد قيامته حتى صعوده إلى السماء: 1. لمريم المجدلية (مر 16: 9؛ يو 20: 15-16). 2. للنسوة القادمات للقبر (مت 28: 9). 3. لاثنين من تلاميذه في الطريق إلى عمواس (لو 24: 13 الخ). 4. لبطرس وحده (لو 24: 34). 5. للعشرة تلاميذ بدون توما (يو 20: 19). 6. للإحدى عشر في اليوم الثامن حين آمن توما (يو 21: 26). 7. لسبعة تلاميذ (يو 21: 2)، ما بين 8 أيام و14 يومًا من قيامته. 8. للتلاميذ على جبل معين في الجليل (مت 28: 16). 9. لأكثر من 500 أخٍ دفعة واحدة (1 كو 15: 6)، إن لم يكن ذلك هو بعينه الظهور السابق. 10. رآه يعقوب (1 كو 15: 7). 11. لكل التلاميذ عند صعوده إلى السماء (مر 16: 19-20؛ لو 24: 50-53؛ أع 1: 3-12؛ 1 كو 15: 7). هذه هي الظهورات التي وردت في الكتاب المقدس، لكننا لا نستطيع أن نجزم إن كانت هناك ظهورات أخرى تمت ولم ترد في الكتاب المقدس. و الان يا عزيزي أعتقد بأن الأمر قد وضح
القرينة الثانية
للرد نقول ننقل اليك في البداية هذه المقال حول الالام الروحية من كتاب تعاليم الكتاب المقدس للقس بسام مدني لم تكن آلام السيد المسيح آلاما جسدية فحسب بل إنه تألم وهذا ما يغْرب عن بالنا عندما نتكلم عن موضوع آلام المخلص له المجد. ولذلك فإننا سنبحث الآن في موضوع آلام السيد المسيح الروحية لكي نُكَوِّن فكرة متزنة عن جميع الآلام التي تذوقها ولئلا نُفكر بأنها كانت جسدية فقط. قبل أن يأتي الخائن يهوذا بشرذمة الجنود للقبض على المسيح كان الرب في بستان جثسيماني حيث يمكننا أن نشاهد معركة روحية شديدة تدور رحاحا في نفس المخلص. إنه له المجد لم يكن خائفا من الموت على الصليب الذي كان أمرا أكيدا، بل كان حسب قول البشير لوقا: " في جهاد وكان يُصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض" (الإنجيل حسب لوقا 22: 44) أي أن يسوع المسيح كان يخوض معركة روحية شديدة لدرجة أن الدم أخذ ينـزل من جبينه. لم يكن الموت على الصليب يُخيفه ولم يحدث في تاريخ البشرية بأسرها إن تكرر هذا الأمر لدى الذين كانوا على باب الاستشهاد في سبيل إيمانهم. كان جهاد الجثسيماني جهادا روحيا عنيفا إذ أن المخلص كان يتألم روحيا حاملا على نفسه خطايا العالم. فكما أن قصاص الخاطئ يأتي على جسده وروحه هكذا أيضا تألم المسيح جسديا وروحيا لإنقاذ جميع المؤمنين به عبر التاريخ البشري. وقد انتصر المخلص له المجد جسديا وروحيا على الشيطان. نشاهد على أكمة الجلجثة آلام المخلص الجسدية أكثر مما نشاهد آلامه الروحية بينما في بستان الجثسيماني نرى آلامه الروحية التي استمرت أيضا على الصليب. ولذلك يمكننا القول بعض الاضطلاع على هذه المعلومات الكتابية إن تقدمة المسيح يسوع كانت تامة وكاملة ولذلك فإن الخلاص الذي كسبه لنا هو تام وكامل ويشمل الجسد والنفس. وهذا ما يسرد لنا الرسول متى في الإنجيل المعروف باسمه: " حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جثسيماني فقال للتلاميذ: اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلي هناك. ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب. فقال لهم نفسي حزينة جدا حتى الموت، امكثوا ههنا واهروا معي. ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه وكان يصلي قائلا: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تُريد أنت. ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما. فقال لبطرس: أهكذا ما قَدَرْتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف. فمضى أيضا ثانية وصلى قائلا: يا أبتاه إن لم يكن أن تَعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك. ثم جاء فوجدهم أيضا نياما، إذ كانت أعينهم ثقيلة. فتركهم ومضى أيضا وصلى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينيه. ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا، هو ذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يُسلِّم إلى أيدي الخطاة. قوموا ننطلق، هوذا الذي يُسلِّمني قد اقترب" (26: 36- 46). ولكن لماذا كان على المسيح يسوع أن يتألم بهذه الصورة الشديدة؟ لأنه تقدَّم أمام المحكمة الإلهية ليكفر عن خطايا الناس وكممثل للبشرية الجديدة. ولذلك كان لا بد له من أن يشعر ضمن ضميره بهذا الحزن الشديد الذي لا يوصف والذي ينتج عن الخطية. وقد مثل المسيح المؤمنين به وناب عنهم إلى هكذا درجة حتى أنه شعر وكأن الله الآب تركه وغضب عليه. وإذ كان في وَهْدَة هذه الآلام الشديدة قال وهو مسمرا على الصليب: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ طبعا إن الله لم يكن قد غضب على المسيح في ذاته بل إن غضب الله هذا كان عليه كممثل ونائب عن البشرية. وبذلك تمت نبوات أشعياء التي تفوه بها قبل مئات السنين من الميلاد: " لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمَّلها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبِحُبُرِهِ شُفينا" (53: 4و 5) وكتب الرسول بطرس أيضا عن هذا الموضوع في رسالته الأولى: " الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر، الذي بِجَلْدته شُفيتم" (2: 24). وبما أن السيد المسيح تألم بهذه الصورة الشديدة التي وصفها لنا الأنبياء والرسل فإننا نقول أن الإنسان الذي لا يحتمي بالمخلص ولا يثق به ثقة تامة ليس عليه سوى مقابلة الموت ونتائج الخطية لوحده. فآلام الجحيم التي تذوقها الرب أثناء آلامه الروحية الشديدة تعني أن المؤمن به لن يتذوقها مطلقا في الحياة الآتية ولكن الذي لا يؤمن به فأي رجاء له من النجاة من العقاب الأبدي هو مترتب على كل بشري غير تائب وغير مؤمن بمخلص البشرية؟ ويصعب علينا جدا أن نتفهم بصورة تامة قيمة هذا العمل الخلاصي العظيم الذي أتمه الرب يسوع المسيح ولكننا نفرح ونتهلل لأنه قام بكل شيء كممثل عنا لينقذنا من الموت الأبدي الذي يدعوه الرسول يوحنا في سفر الرؤيا بالموت الثاني. كفى أن تعلم أن السيد له المجد بآلامه الروحية والجسدية الشديدة وبموته على الصليب أنقذنا من الجحيم ومن حياة البؤس الأبدي. وإن كنا قد أُنقذنا من أهول وأفظع خطر يكمن للإنسان في المستقبل فهل يوجد شيء في الوجود يقدر أن يُخيفنا ويَجعلنا تحت رحمة الهلع الدائم؟ فلنفرح ونتهلل اليوم وكل يوم من حياتنا ولنقدم ذواتنا لخدمة المسيح يسوع معترفين به كرب وكسيد لكل حياتنا. وأخيرا نقتبس هذه الكلمات من قول أحد قادة عصر الإصلاح في القرن السادس عشر عن نتائج عمل المسيح الكفاري على الصليب: " نعترف بأن السيد يسوع المسيح هو معنا إلى هكذا درجة حتى أنه بالإمكان القول أن ما له هو أيضا لنا وما لنا هو له. وهذا التبادل العجيب الذي قام به حسب جَودته اللامتناهية جعله يأخذ فِقْرنا ويُعطينا غِناه، وإذ حمل على نفسه ضعفنا منحنا أيضا قوته، وإذ أخذ عنا أعطانا عدم موته، وإذ أخذ أيضا عبء خطايانا الثقيل على نفسه ذلك العبء الذي كان يطفو علينا أعطانا بره، وإذ نـزل إلى الأرض أعطانا طريقا للسماء، وإذ صار ابن الإنسان مكننا من أن نكون أولاد الله". انتهت المقالة
عزيزي أظن أن الأمر بدأ يتوضح و الان دعنا ننتقل للتفاسير يقول القس يعقوب ملطي في تفسيره لبشارة معلمنا متى الاصحاح السادس و العشرون التالي إذ جاء السيِّد بتلاميذه إلى جثسيماني، قال للتلاميذ: "اِجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلِّي هناك، ثم أخذ بطرس وابنيّ زبدي، واِبتدأ يحزن ويكتئب" [36-37]. "جثسيماني" كلمة آراميَّة تعني "معصرة زيت". وكأن السيِّد يدخل بإرادته إلى المعصرة. ولم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يدخلوا معه، إنّما اختار بطرس وابنيّ زبدي كشهود يرونه إلى حين، لكنهم لا يستطيعوا أن يعاينوا لحظات العصر، فقد تركهم قليلاً وسألهم أن يسهروا فلم يستطيعوا، بل ناموا. وتكرّر الأمر ثانية، فكان يسألهم أن يسهروا معه ولم يقدروا، وفي المرة الثالثة قال لهم: "ناموا الآن واستريحوا" [40].
بروح النبوّة رآه إشعياء النبي في جثسيماني وقد اِجتاز المعصرة الحقيقية، فقال "من ذا الآتي من آدوم بثياب حُمر... من بصرَة هذا البهي بملابسه.. المتعظِّم بكثرة قوّته؟! أنا المتكلِّم بالبرّ، العظيم للخلاص. ما بال لباسَك مُحمر، وثيابك كدائِس المِعصرة؟! قد دُستُ المِعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد" (إش 63: 1-3).
لقد اجتاز السيِّد المِعصرة وحده وهو يقول: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" [38]. أمّا سِرّ حزنه فهو ليس الخوف من الآلام الجسديّة، إنّما ثقل الخطيّة التي لا يقبلها السيِّد ولا يطيقها، لكنّه من أجل هذا جاء، ونيابة عنّا خضع في طاعة للآب ليحمل موت الخطيّة فيه. إنه يصرخ: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، لكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" [39]. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إن إرادة الآب وإرادة الابن واحدة لأن لهما روح واحد، لماذا إذن قال هذا؟ لقد جاء نيابة عنّا نحن الذين رفضنا إرادة الله فخضع للصليب بسرور من أجل الطاعة للآب، وفي نفس الوقت كان يريد ذلك. هذا ما أعلنه السيِّد نفسه بقوله: "هكذا أحبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يو 3: 16). وكأن البذل هنا هو من إرادة الآب المحب. وفي نفس الوقت يقول الرسول: "أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)، باذلاً نفسه المملوءة حبًا.]
من المستحيل أن ابن الإنسان كان يقول: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنِّي هذه الكأس، تحت إحساس بالخوف!... فالرب يسوع لا يستعفي من ذبيحة الموت حتى تصل نعمة الخلاص للجنس البشري كله.
العلاّمة أوريجينوس
"نفسي حزينة جدًا حتى الموت". لنقدّم الشكر أن ليسوع جسد حقيقي ونفس حقيقيّة، فلو أن الرب لم يأخذ الطبيعة الإنسانيّة بكاملها لما خلّص البشريّة. لو أنه أخذ جسدًا فقط بلا نفس لخلص الجسد دون النفس مع أننا نحتاج إلى خلاص النفس أكثر من خلاص الجسد. لقد أخذ الجسد والنفس معًا ليخلّصهما، يخلّص الإنسان بكامله كما خلقه. لقد دخل السيِّد إلى صلاة أيضًا لتعليمنا، إذ يقول لتلاميذه: "اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة، أمّا الروح فنشيط، وأما الجسد فضعيف" [41].
القدّيس جيروم بكونه الله الذي لبس جسدًا قام بدور الضعف الجسدي حتى لا يوجد عذر لدى الأشرار مُنكري التجسّد. فمع قوله هذا إذا بأتباع ماني لا يصدّقون، وفالنتيوس ينكر التجسّد، ومرقيون يَدَّعي أنه كان خيالاً... لقد أظهر نفسه أنه يحمل جسدًا حقيقيًا.
يقول القدّيس جيروم: [بينما روحي قويّة تقودني للحياة، إذ بجسدي ضعيف يسحبني للموت.] فالحاجة ملحَّة إلى الصلاة ليسند الله روحنا ويقيم جسدنا من ضعفه. ويحدّثنا القدّيس كيرلّس الكبير عن ضرورة اقتدائنا بالسيِّد وقت التجربة، قائلاً: [كان يصلّي عندما كان الذين يريدون أن يمسكوه على الأبواب. لا يفهم أحد أنه يقدّم هنا توسُّلات كمن هو في حاجة إلى قوّة أو عون من آخر، إذ هو نفسه قوّة الله الآب القدير وسلطانه، إنّما صنع ذلك لتعليمنا، لكي ينزع عنّا التراخي عند حلول التجربة، وعندما يضغط الاضطهاد علينا وعندما تلقى شباك الغدر ضدّنا، وتكون شبكة الموت مُعدَّة لنا. فإن وسيلة خلاصنا هي السهر وإحناء الركب وتقديم التوسُّلات وسؤال العون من فوق حتى لا نضعف ويصيبنا هلاكًا مرعبًا.]
إن كان السيِّد قد سألهم أن يسهروا، لكن بعد أن صلَّى ثلاث مرّات عاد إليهم وهو يقول: "ناموا الآن واستريحوا، هوذا الساعة قد اقتربت، وابن الإنسان يسلّم إلى أيدي الخطاة" [45]. إذ يسلّم السيِّد نفسه للموت ننام نحن ونستريح، إنه علّة راحتنا، يدخل إلى الصليب ليدفع الدين عنّا، يتألّم فنستريح، ويصلب فنكلّل!
و دعونا نذهب الان لنفس التفسير لكن لبشارة معلمنا مرقس في الاصحاح الرابع عشر إذ أعلن السيد المسيح لتلاميذه عن كل شيء انطلق بهم إلى البستان يحمل كأس الألم، إذ يقول الإنجيلي:
"وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني،
فقال لتلاميذه: اجلسوا ههنا حتى أصلي.
ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا،
وابتدأ يدهش ويكتئب.
فقال لهم: نفس حزينة جدًا حتى الموت.
امكثوا هنا واسهروا" [32-34].
"جثسيماني" كلمة أرامية تعني "معصرة الزيت" (مت 26: 36)، كانت بستانًا فيه أشجار الزيتون ومعصرة لعصره، يقع البستان شرق أورشليم على السفح الغربي من جبل الزيتون (لو 22: 39) وبينه وبين أورشليم وادي قدرون (يو 18: 1)، "وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع، لأن يسوع اجتمع هناك كثيرًا مع تلاميذه" (يو 18: 2؛ لو 22: 39).
إن كانت البشرية قد فقدت سرّ حياتها وبهجتها وسلامها خلال عصيان آدم الأول في البستان، ففي البستان دخل آدم الثاني كما إلى معصرة زيت (جثيسماني)، ليعتصر بالألم من أجل البشرية، ويرد بطاعته للآب حتى الموت ما سبق ففقدته.
أخذ معه تلاميذه الثلاثة الذين كانوا معه في لحظات التجلي، حتى إذ يروه يدهش ويكتئب، ودموعه تتقاطر كالدم، يدركوا حقيقة تأنسه ودخوله تحت الآلام دون أن يتعثروا، فقد رأوه في تجليه ومجده.
دخل بتلاميذه إلى البستان ليقدم نفسه مثلاً حيًا عمليًا عن حياة الصلاة والسهر خلال الضيق، لذلك قال لهم: "اجلسوا ههنا حتى أصلي"، كما أوصاهم "امكثوا هنا واسهروا". كما علمنا مجابهة الموت بلا خوف، والتسليم الكامل بين يدي الآب السماوي، إذ يقول الإنجيلي:
"ثم تقدم قليلاً، وخرّ على الأرض،
وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن.
وقال: يا أبّا الآب كل شيء مستطاع لك،
فأعبر عني هذه الكأس،
ولكن ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت" [35-36].
كتب القديس يوحنا الذهبي الفم مقالاً عن "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" سبق لي ترجمته ونشره، جاء فيه:
أولاً: لا يمكن القول بأن السيد المسيح كان يجهل إن كان ممكنًا أن تعبر عنه الكأس أم لا، بقوله "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس". [المعرفة الخاصة بآلامه ليست أعظم من المعرفة الخاصة بجوهر طبيعته، الأمر الذي هو وحده يعرفه تمام المعرفة وبدقة، إذ يقول "كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب" (يو 10: 15). ولماذا أتكلم عن ابن الله الوحيد، فإنه حتى الأنبياء يبدو أنهم لم يجهلوا هذه الحقيقة (أي آلام المسيح وصلبه) بل عرفوها بوضوح، وقد سبق أن أعلنوا عنها قبلاً مؤكدين حدوثها تأكيدًا قاطعًا.]
ثانيًا: لا يمكن فهم هذا القول: "إن أمكن أن تعبر عني هذه الكأس" بمعنى الرغبة في الهروب من الصليب. [لقد دعا (بطرس) ذاك الذي وُهب إعلانًا من الآب وقد طوّبه ووهبه مفاتيح ملكوت السماوات، دعاه "شيطانًا"، ودعاه "معثرة"، واتهمه أنه لا يهتم بما لله... هذا كله لأنه قال له: "حاشاك يا رب لا يكون هذا لك" أي لا يكون لك أن تصلب. فكيف إذن لا يرغب في الصليب، هذا الذي وبخ التلميذ وصبّ عليه هذا القدح إذ دعاه شيطانًا بعدما كان قد مدحه، وذلك لأنه طلب منه أن يتجنب الصليب؟ كيف لا يرغب في الصليب ذاك الذي رسم صورة للراعي الصالح معلنًا إياها كبرهان خاص بصلاحه، وهي بذله لنفسه من أجل خرافه، إذ يقول "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11)... انظر كيف يُعجب منه بسبب إعلانه هذا "أنه يبذل نفسه"، قائلاً: "الذي كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه الناس، فإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه، وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في 2: 6-8)؟ وقد تكلم عن نفسه مرة أخرى فقال... "لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا" (يو 10: 17)... وكيف يقول الرسول بولس مرة أخرى: "واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا" (أف 5: 2)؟. وعندما اقترب السيد المسيح من الصلب قال بنفسه: "أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك" (يو 17: 10). لقد تكلم هنا عن الصليب كمجد، فكيف يستعفي عنه، وها هو يستعجله؟]
ثالثًا: أن هذه العبارة قد سجلها لنا الإنجيلي لتأكيد تجسده ودخوله فعلاً تحت الآلام. [لهذا السبب أيضًا كانت قطرات العرق تتدفق منه، وظهر ملاك ليقويه، وكان يسوع حزينًا ومغتمًا، إذ قبل أن ينطق بتلك الكلمات (ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت) قال: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت". فإنه بعد هذا كله قام الشيطان بتكلم على فم كل من مرقيون الذي من بنطس وفالنتينوس وماني الذي من فارس وهراطقة كثيرين، محاولين إنكار تعاليم التجسد، ناطقين بكلمات شيطانية، مدعين انه لم يأخذ جسدًا حقيقيًا، ولا التحف به إنما كان له جسد خيالي وهمي... لقد أعلن المشاعر البشرية الحقيقية بوضوح، تأكيدًا لحقيقة تجسده وتأنسه.]
رابعًا: بجانب تأكيده للتجسد قدم لنا نفسه مثالاً عمليًا بهذا التصرف الحكيم. [هناك اعتبار آخر لا يقل عنه أهمية... وهو أن السيد المسيح جاء على الأرض، راغبًا في تعليم البشرية الفضائل، لا بالكلام فقط وإنما بالأعمال أيضًا. وهذه هي أفضل وسيلة للتدريس... إنه يقول: "من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات" (مت 5: 19)... لقد أوصى (تلاميذه) أن يصلوا: "لا تدخلنا في تجربة"، معلمًا إياهم هذه الوصية عينها بوضعها في صورة عملية، قائلاً: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس". هكذا يعلم كل القديسين ألا يثبتوا بأنفسهم في المخاطر، غير ملقين أنفسهم بأنفسهم فيها... فماذا؟ حتى يعلمنا تواضع الفكر، وينزع عنا حب المجد الباطل... صلى كمن يعلم الصلاة، ولكي نطلب ألا ندخل في تجربة" ولكن إن لم يسمح الله بهذا، نطلب منه أن يصنع ما يحسن في عينيه، لذلك قال: "ولكن ليس كما أنا أريد بل كما تريد أنت"، ليس لأن إرادة الابن غير إرادة الآب، إنما لكي يعلم البشر أن يقمعوا إرادتهم في إرادة الله ولو كانوا في ضيق أو اضطراب، حتى وإن أحدق بهم الخطر، ولو لم يكونوا راغبين في الانتقال من الحياة الحاضرة.]
يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سرّ حزن السيد المسيح القائل: "نفسي حزينة جدًا حتى الموت" [34] هكذا: [إني أعجب هنا بحنان الرب وعظمته، فلو لم تكن له مشاعري لنقصت إحساناته... سمح أن يتعب لضعفاتي! حمل حزني ليهبني سعادته! نزل حتى ألم الموت، ثم بدأ يرجعنا للحياة ثانية، وتألم لينتصر على الحزن. قيل عنه أنه رجل أوجاع ومختبر الحزن (إش 53: 3). لقد أراد أن يعلمنا، فقد سبق فعلمنا يوسف ألا نخاف السجن، وفي المسيح نتعلم كيف نغلب الموت... إنك تتألم يا رب لا بسبب جراحاتك، لا بسبب قوتك بل بسبب ضعفاتنا (إش 53: 4). نراك فريسة للألم، لكنك تتألم لأجلي، صرت ضعيفًا من أجل خطايانا (إش 53: 5). هذا الضعف ليس من طبعك لكنك أخذته لأجلي... ربما أيضًا حزن، لأنه منذ سقوط آدم كان خلاصنا الوحيد للخروج من هذا العالم هو بالضرورة "الموت"، ولما كان الله لم يخلق الموت ولا يشاء موت الخاطي مثلما يرجع وتحيا نفسه، يعز عليه أن يحتمل ما لم يخلقه.]
يكمل القديس أمبروسيوس تعليقه على حزن السيد المسيح مؤكدًا لن يدخل إلى لاهوته بل إلى النفس البشرية بكونه ابن الله المتأنس له نفس بشرية تشاركنا مشاعرنا. [في موضع آخر يقول: "الآن نفسي قد اضطربت". إنه اضطراب النفس البشرية لأن اللاهوت غير قابل للألم... فالرب ليس حزينًا (باللاهوت) لكن نفسه حزينة. الحكمة ذاته ليس حزينًا (حسب اللاهوت) ولا الطبيعة الإلهية بل النفس. كان حزينًا لا بسبب الألم إنما بسبب تبديدنا، لذا قال: "اضْرِب الراعي فتتبدد خراف الرعية" (مت 26: 35)... كان أيضًا حزينًا من أجل مضطهديه، فقد كان عارفًا أنه يفدي بالآلام خطاياهم... وقد قال: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34).]
"تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء". (1) إذ صار كلمة الله إنسانًا حقيقيًا كاملاً مارس العبادة لتأكيد خضوعه حتى للناموس ولنظام العبادة، وصلى أيضًا ليكشف عن علاقته بالآب، إذ أُتهم بأنه بعلزبول رئيس الشياطين، وأنه ليس من عند الله. لم يكن السيد المسيح في حاجة إلى الصلاة، لأنه هو واحد مع أبيه في الجوهر. لكنه كممثلٍ لنا يقدم الصلاة عن نفسه: "مجد ابنك" (1) لكي لا نكف عن الطلبة من أجل مجدنا فيه. المسيح بكونه الله نصلي إليه، وإذ صار إنسانًا صار يصلي حتى يكمل فيه كل برّ. لقد قيل له كما قيل لنا: "اسألني فأعطيك" (مز ٢: ٨). وها هو يسأل الآب، معطيًا كرامة خاصة للصلاة، لكي نجد فيها شبعنا. ويقول الرسول بولس: "الذي في أيام جسده، إذ قدم بصراخٍ شديدٍ ودموعٍ وطلباتٍ وتضرعاتٍ للقادر أن يخلصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه، مع كونه ابنًا تعلم الطـاعة مما تألم به" (عب ٥: ٧-٨). لقد اشترى البشرية بدمه، فقدم الدم ليسأل الآب أن يهبه البشرية تسكن فيه فتتبرر. أما نحن فبدونه لا نقدر أن نسأل من الله كأبٍ لنا، ولا نقدر أن ننال. بصلاته قدس صلواتنا، وفتح لنا طريق الالتقاء مع الآب خلال المسرة الإلهية. صلى باسمنا، إذ يعرف أعماق قلوبنا (خر ٢٣: ٩) ويدرك تمامًا احتياجنا، وهو الطريق الذي وحده يصعد إلى السماء، إلى حضن أبيه، لذا فهو وحده القادر أن يقدس صلواتنا. رفع السيد المسيح عينيه إلى السماء كما فعل ذلك من قبل (يو ١١: ٤١)، لماذا؟ إنه ساكن السماء بلاهوته ولا يحتاج إلى رفع عينيه إلى السماء كمن يتوسل أمرًا ما من الآب. لكنه إذ صار ابن البشر قدَّس السيد المسيح حتى حركات الجسد، حتى نرفع أعيننا نحن أيضًا مع عينيه، فيرفع قلوبنا إلى السماء أثناء الصلاة (مز ٢٥: ١). كان اليهود في ذلك الوقت يرفعون رؤوسهم إلى فوق، ويفتحون أعينهم نحو السماء أثناء الصلاة، وقد استخدم السيد المسيح ذات الوضع الذي كان سائدًا في أيامه، لكي نلتزم نحن بالعبادة بروح جماعية في تدبير كنسي منظم بلا تشويش. هذا لا يعني أنه لا تقدم الصلاة إلا بهذا الوضع، فقد امتدح السيد المسيح العشار الذي لم يجسر أن يرفع عينيه، هكذا وقد قرع صدره في ندامة (لو 18: 23). والسيد المسيح نفسه انحنى أثناء حديثه مع الآب في البستان (مت 26: 39).
و الان لنرى ماذا علق القس يعقوب ملطي في جمعه لتفاسير الآباء الأوليين لبشارو معلمنا لوقا في الاصحاح ا |