خامساً المزمور التاسع و الستون
لقراءة الاعتراض كاملاً انقر هنا
دعونا أولاً نشرح المزمور كاملاً ثم ننتقل للجزء المتعلق بحادثة الصلب
يقول القس أنطونيوس فكري في تفسيره لهذا السفر التالي
كتب هذا المزمور وهو في ضيقة عظيمة، فكان كمن يصرخ من الألم، بل كان يشعر أنه في
طريقه للموت المؤكد، ويصرخ لله ليخلصه.
وكان داود في هذا رمزًا للمسيح، وهناك آيات كثيرة من هذا المزمور ط بقها العهد الجديد
على المسيح وهو رفيق للمزمور ٢٢ . وكلاهما يبدأ بآلام المسيح { .( ٢٣،٢٢ ،٢١ ،٩ ٤) تجدها في العهد الجديد في ((يو ٢٥:١٥) (يو ١٧:٢ + رو ٣:١٥) (مت ٣٤:٢٧) .( رو ٩:١١،١٠ ) }
وينتهي بمجده. ويضاف لهذا النبوات الخاصة بخراب إسرائيل لصلبها المسيح.
ونرى في هذا المزمور أيضًا صورة لآلام الكنيسة جسد المسيح، التي أوصلها مضطهدوها
إلى حافة الموت لكن الله خلصها وأنقذها وخرب أعداؤها. والمجد الذي صار لها.
وتستخدم الكنيسة في صلوات التجنيز للمنتقلين من أبنائها آيات كثيرة من هذا المزمور وكأنها
ترى أنهم ماتوا مع المسيح ليكون لهم قيامة مع المسيح في مجده.
٣): "خلصني يا الله لأن المياه قد دخل ت إلى نفسي . غرقت في حمأة عميقة - الآيات ( ١
وليس مقر . دخلت إلى أعماق المياه والسيل غمرني . تعبت من صراخي. يبس حلقي. كّلت
عيناي من انتظار الهي."
الأحزان والبلايا يصورها داود بمياه أحاطت به وستغرقه (يون ٥:٢ ) فيموت غرقت في حمأة
عميقة= داود مهما زادت آلامه فلم يحدث له أن غرق فع ً لا. ولكنه بروح النبوة يتكلم عن
المسيح الذي مات فع ً لا. وصراخ المسيح تكلم عنه الرسول في (عب ٧:٥ ). أما بالنسبة لداود
فنفهم أن الأحزان والحيرة أغرقته في همومه . ولنلاحظ أن الأحزان دخلت للعالم بالخطية .
ليس.. مقر= كأنه في مياه عميقة لا يجد أرضًا يستقر عليها = أي هو بلا أي شئ يسنده ولقد
قال المسيح في آلامه "الآن نفسي قد اضطربت".
آية ( ٤): "اكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب . اعتز مستهلكي أعدائي ظلما .
حينئذ رددت الذي لم اخطفه."
طبقها المسيح على نفسه "(يو ٢٥:١٥ ). وأعداء المسيح كانوا من اليهود والرومان والشياط ين.
وهكذا أعداء الكنيسة جسد المسيح . والأعداء كثيرين = أكثر من شعر رأسي . وأقوياء= اعتز
مستهلكي= من يريدون تدميري هم أقوياء معتزون . وهم يظلمونه بلا سبب وظلمً ا= وهذا ما
فعله إبليس بآدم وحواء، ثم بداود وبالمسيح وبالتالي كنيسته . ومن قوة الأعداء يقول داود
حينئذ رددت الذي لم أخطفه = فهو لم يأخذ منهم شئ، وهم لم يظلمهم، ولكنهم جعلوه يعاني
كل هذه المعاناة بلا سبب جناه، وربما هو أعطاهم ما يهدئ من غيظهم ليهدأوا. وهكذا المسيح
تحمل عقوبة كان يجب أن أتحملها أنا، هو دفع ديوننا، عانى بسبب تعدياتنا . لقد ضاع من
الإنسان سلامه ومجده وفرحه، ولم يكن المسيح هو الذي أخذهم، لكنه هو الذي ردهم لنا.
آية ( ٥): "يا الله أنت عرفت حماقتي وذنوبي عنك لم تخف."
يا الله أنت عرفت حماقتي = أنت تعلم يا رب كل ذنوبي، وتعلم أن ما ظلموني به أنا برئ منه
وبلسان المسيح، فالآب يعلم أنه بلا خطية لكنه صار خطية لأجلنا وحمل خطايانا.
آية ( ٦): "لا يخز بي منتظروك يا سيد رب الجنود. لا يخجل بي ملتمسوك يا إله إسرائيل."
داود يطلب أن يخلصه الله حتى لا يرى اصدقاؤه من القديسين أن الله لم يتدخل لينقذه ويكون
هذا سببًا في يأسهم واحباطهم، ويكون هذا سببًا في أن أعداء القديسي ن يشمخون على الله
وعليهم. وكل من كان ينتظر المسيح، لو لم يقم المسيح لكانوا في خزي وخجل.
آية ( ٧): "لأني من أجلك احتملت العار. غ ّ طى الخجل وجهي."
هذه بلسان المسيح ويوجه كلامه(يو 1 : 11 ) لآدم= لأني من أجلك احتملت العار (عار الصليب).
آية ( ٨): "صرت أجنبيًا عند اخوتي وغريبًا عند بني أمي."
لأجل آدم طرد المسيح من أهل(وتفهم أنها موجهة للآب، فالمسيح لمحبته للآب قبل كل هذه الآلام والاحتقار.) بيته وأخوته. وحتى الآن فالمسيح مرفوض من اليهود.
١١ ): "لأن غيرة بيتك أكلتني وتعييرات معيريك وقعت علي. وأبكيت بصوم - الآيات ( ٩
نفسي فصار ذلك عارًا علي. جعلت لباسي مسحًا وصرت لهم مث ً لا."
غيرة بيتك أكلتني وتعيير ات معيّريك وقعت عليّ= هنا نرى داود الذي يتقد قلبه بحب الله يغير
على بيت الله، وهؤلاء الأشرار الموجودين الآن في بيت الله بحكم مراكزهم وبخطاياهم
يعيرون الله سببوا لداود ألامًا شديدة وكأن كل تعييراتهم لله قد وقعت على داود . لقد كانت
التعييرات ضد الله أشد قسوة على داود من الآلام الشخصية التي ألحقوها به . ولقد طبقت الآية
على المسيح حين طرد الباعة من الهيكل (يو ١٧:٢ ) وطبقت عليه في (رو ٣:١٥ ) للتدليل على
أن المسيح كان ينكر ذاته، إذ حسب أن أي تعيير للآب يقع عليه هو، فقام بطرد الباعة من
الهيكل مما أهاج الجماهير ضده، واحت مل هذا لمحبته للآب . وارتد هذا عليه فقد أهانوه بسبب
ذلك، فكانت شهادة المسيح عن الآب لا ترضى اليهود ويهينونه بسببها فغيرة المسيح على
مجد الآب أكلت ما تبقي من حب هؤلاء اليهود له.
وداود حين صام وصلى عيّره هؤلاء الأشرار لثقته في الله وأنه مازال مؤمنًا به . وهو ل بس
المسوح ليريهم كيف أنه يلجأ لله فزادوا من سخريتهم . لقد أخلى داود ذاته بهذا ليصير رمزًا
للمسيح الذي أخلى ذاته فع ً لا وصار إنسانًا فسخر منه الجميع، وحين صام جربه إبليس
(رو ٣:٨ ). صرت لهم مث ً لا= صار داود رمزًا للمسيح.
آية ( ١٢ ): "يتكلم في الجالسون في الباب وأغاني شرابي المسكر."
الجالسون في الأبواب= القضاة والحكام ورؤساء الكهنة هؤلاء سخروا منه= يتكلم في بل حتى
السكيرين وأسافل الناس صرت سخرية لهم = وأغاني شرابي المسكر = فرحوا بآلامه وجعلوها
أغنيتهم (مت ٤٠:٢٧_43 )
آية ( ١٣ ): "أما أنا فلك صلاتي يا رب في وقت رضى يا ا لله بكثرة رحمتك استجب لي بحق
خلاصك."
في وقت رضى= هو وقت الصليب الذي قبل فيه الآب شفاعة المسيح الكفارية عنا.
- الآيات ( ١٤_20 ): "نجني من الطين فلا اغرق نجني من مبغضي ومن أعماق المياه . لا
يغمرني سيل المياه ولا يبتلعني العمق ولا تطبق الهاوية علي فاها . استجب لي يا رب لان
رحمتك صالحة . ككثرة مراحمك التفت إل ي. ولا تحجب وجهك عن عبدك . لان لي ضيقا .
استجب لي سريعا . اقترب إلى نفسي . فكها. بسبب أعدائي افدني . أنت عرفت عاري وخزيي
وخجلي. قدامك جميع مضايقي. العار قد كسر قلبي فمرضت . انتظرت رقة فلم تكن ومعزين
فلم أجد."
الآيات ( ١٤،١٥ ) يصليها داود لينقذه الله من آلامه . وبلسان المسيح ليقيمه الله من
الأموات، وبالتالي يخلص كنيسته. وبالنسبة لداود فقد كان عاره بسبب خطيته (زنا وقتل في
بيته)، أما بالنسبة للمسيح فقبل العار عنا.
آية ( ٢١ ): "ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقونني خلا."
هي نبوة واضحة عن المسيح. وبالنسبة لداود فأعداؤه مرروا حياته.
الآيات ( ٢٢-٢٥ ): "لتصر مائدتهم قدامهم فخا وللآمنين شركا . لتظلم عيونهم عن البصر
وقلقل متونهم دائما . صب عليهم سخطك وليدركهم حمو غضبك . لتصر دارهم خرابا وفي
خيامهم لا يكن ساكن
نبوة بالنكبات الت ي وقعت على اليهود لصلبهم المسيح والآيات ( ٢٢،٢٣ ) طبقها الرسول على
( اليهود (رو ٩:١١،١٠ ) ولذلك تفهم كل الآيات على اليهود من ( ٢٢ إلى ٢٥)
في ( ٢١ ) هم قدموا له علقم وخ ً لا.. عقابهم لتصر مائدتهم (خيراتهم) لهم فخًا ( ٢٢)
في ( ٣) جعلوه يتعب وتكل عيناه.. عقابهم لتظلم عيونهم.. وقلقل متونهم ( ٢٣)
في ( ٤) أبغضوه بلا سبب.. عقابهم صب عليهم سخطك (٢٤)
في ( ٨) صار بسببهم مرفوضًا من أهله.. عقابهم لتصر دارهم خرابًا ( ٢٥)
لتصر مائدتهم قدامهم فخًا= تفهم بعدة تفسيرات [ ١] الكتاب المقدس بعهده القديم الذي كان بين أيديهم مملوءًا نبوات عن المسيح ، وهم لم يفهموها، فصارت شاهدًا عليهم = فخًا لهم [ ٢] هم
قدموا المسيح كذبيحة وفرحوا بأن قدموه كما يقدمون ذبيحة على مائدتهم وابتهجوا بقوتهم
وحكمة تدبيرهم وصار هذا لهم فخًا، فهم تصوروا في نشوة قوتهم أنهم قادرين أيضًا على
الرومان فثاروا عليهم وكان هذا سببًا لأ ن يحطم الرومان أورشليم تمامً ا. [ ٣] بعد مجيء
المسيح انعدمت قيمة محرقاتهم وذبائحهم فلقد جاء المسيح المرموز إليه بهذه الذبائح وكان
استمرارهم في تقديمها فخًا لهم، فلمن يقدموها والله قد رفضها.
لتظلم عيونهم = لم يعد بينهم من يفهم النبوات بسبب عنادهم، فهم لم يفهمو ا معنى ظلمة يوم
الصليب. وقلقل الله متونهم = من ثقل الشدائد التي حملوها ٢٠٠٠ سنة. وصارت دارهم خرابًا
وتشتتوا في كل العالم= في خيامهم لا يكن ساكن.
آية ( ٢٦ ): "لأن الذي ضربته أنت هم طردوه وبوجع الذين جرحتهم يتحدثون."
كان المسيح هو الذي ضربه الآب، ولكنهم هم الذي ن طردوه . وهم لاحقوا المؤمنين بالمسيح
وكانوا يتحدثون = يتآمرون بوجعهم أي اضطهادهم . وهم جرحى إيمانهم بالمسيح الذين
جرحتهم= هم جرحوا لأجله ولكن اليهود اكلموا عليهم بشر ليحزنوهم ويوجعونهم.
الآيات ( ٢٧،٢٨ ): "اجعل إثمًا على إثمهم ولا يدخلوا في برك . ليمحوا من سفر الأحياء ومع
الصديقين لا يكتبوا."
كانت خطاياهم كثيرة وزادت بل كملت بصلبهم للمسيح = إجعل إثمًا على إثمهم ومن يرفض
المسيح الإله يعدم الحياة التي هي هبة للمؤمنين. وقطعًا لن يتبرروا.
آية ( ٢٩ ): "أما أنا فمسكين وكئيب. خلاصك يا الله فليرفعني."
فيها مقابلة لطيفة بين ضعف الإنسان مع نعمة الله التي تخلص وترفع.
الآيات ( ٣٠،٣١ ): "اسبح اسم الله بتسبيح وأعظمه بحمد . فيستطاب عند الرب اكثر من ثور
بقر ذي قرون وأظلاف."
الله يفرح بالتسبيح أكثر من الذبائح العظيمة ثور بقر ذي قرون وأظلاف . أي عجول كاملة
السن سمينة معلوفة ذات قيمة مادية كبيرة.
آية ( ٣٢ ): "يرى ذلك الودعاء فيفرحون وتحيا قلوبكم يا طالبي الله."
كل من صار وديعًا على صورة مسيحه يفرح بالخلاص أكثر من كل كنوز الدنيا.
المزامير (المزمور التاسع والستون)
٣٩٣
آية ( ٣٣ ): "لأن الرب سامع للمساكين ولا يحتقر أسراه."
لقد خلص الله كل الأسرى القديسين من الجحيم.
آية ( ٣٥ ): "تسبحه السموات والأرض البحار وكل ما يدب فيها."
صهيون هي جماعة المؤمنين . ويبني مدن يهوذا = كثرة الكنائس في أقطار الأرض كعربون
لسكنى المؤمنين الدائم في أورشليم السماوية.
و الان لننتقل لتوضيح النقطة المتعلقة بالصلب من تفسير اسكندر جديد
4أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلَا سَبَبٍ. اعْتَزَّ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْماً. حِينَئِذٍ رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ...
9لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ. 21وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَماً، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ.
يوجد ارتباط بين هذا المزمور والمزمور الثاني والعشرين. إذ في كليهما وصف لآلام الرب يسوع على الصليب. وفي كلا المزمورين انفرجت شفتا الفادي عن صرخة داوية، فيما كانت الظلمة الدامسة تلف الأرض، معلنة أن سيد العالم يكابد آلام الموت الكفاري. ويعاني وحده قصاص الخطية، كنائب عن البشر.
نعم إن السيد قد صرخ، ليعبر عن مرارة نفسه. تلك المرارة التي لا يستطيع حسنا البشري أن يتذوقها. لأن المعاقِب هو الآب القدير، والمعاقَب هو الابن الحبيب البار.
ولعل تفكيرنا البشري يطرح هذا السؤال: هل لأن عبيد التراب صاروا هدفاً لهذا الحب العظيم، يصير القدوس الحق هدفاً للقصاص الصارم؟! هذا السؤال يجيب عليه الإنجيل بقوله »لِأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ« (الإنجيل بحسب يوحنا 3:16).
في الحقيقة لولا هذا الإعلان عن حب الله العجيب، ما كنا علمنا أن الله كريم لدرجة أنه »لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين« فإلى شاشة الصليب المصبوغة بالدم، أسألك أن توجه نظرك لتقرأ في وجه المصلوب الكلمة الرائعة: »الله محبة«.
نعم إننا في الصليب نكتشف سر الحب العجيب، ونتحسس فيه روح التضحية. فهناك نرى خالقاً يجود بنفسه، لأجل جبلة ساقطة. فيا للاكتشاف المذهل! هكذا احب الله العالم حباً فاض معينه وطمت مياهه، لتغسل خطايا البشرية وتروي ظمأها إلى البر، فتثمر أطيب الثمار.
(4) كان أعداء يسوع كثيرين جداً، وقد أبغضوه بلا سبب (الإنجيل بحسب يوحنا 15:25) وقد وصفهم يوحنا بكلمة العالم، إشارة:
(أ) إلى عددهم فقد كان هناك عالم من البشر قاوموا المسيح والمسيحية. وقد أشار إليهم الكتاب بالقول »يَا رَبُّ مَا أَكْثَرَ مُضَايِقِيَّ. كَثِيرُونَ قَائِمُونَ عَلَيَّ« (مزمور 3:1).
(ب) تحالفهم واتحادهم وتضامنهم وتآمرهم بالقلب وتعاهدهم على الرب ومسيحه وكنيسته (مزمور 83:5) وهذا ما سجله التاريخ عن اليهود والأمم، في اتفاقهم معاً على اضطهاد جماعة المسيح، ومع أنهم كانوا لا يتفقون على شيء آخر.
(ج) روحهم وميولهم. وقد أطلق عليهم الكاتب لقب أهل الدنيا. وذلك نظراً لانغماسهم في الدنيويات. حتى أنهم جعلوا نصيبهم قاصراً على إملاء بطونهم وإشباع شهواتهم، دون أن يفكروا في الحياة الأبدية.
(9) كان قصد المسيح من مجيئه إلى العالم، إصلاح العالم. وهذا ما علمنا إياه بتطهير الهيكل من الأرجاس. فقد وجد في إحدى دوره سوقاً تجارية، تعج بالباعة مع بضائعهم من غنم وبقر وتيوس وحمام وكل ما هو لازم لتقديم الذبائح. وكان هؤلاء يجنون أرباحاً فاحشة مستغلين حاجة الحجاج الغرباء.
كانت هذه السوق تقام سابقاً بجوار بركة بيت حسدا (الإنجيل بحسب يوحنا 5:2) ولكن رؤساء الكهنة سمحوا بإقامتها في الهيكل، من أجل الحصول على حصة من الأرباح، علاوة على الأجرة التي كانوا يتقاضونها من أجل فحص الحيوانات، وإعطاء الشهادة بأنها بلا عيب.
وسمحوا أيضاً للصيارفة أن يقيموا لهم مراكز لأجل إبدال النقود للغرباء. لأن هؤلاء كانوا ملزمين بدفع رسم للهيكل (خروج 30:12).
هذه الحالة المؤسفة التي صار إليها بيت الله، أثارت الغضب المقدس في نفس الرب يسوع. فصنع سوطاً من الحبال وطرد الجميع من الهيكل: الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارفة وقلب موائدهم. وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة. فتذكر تلاميذه انه مكتوب غيرة بيتك أكلتني (الإنجيل بحسب يوحنا 2:14-17).
لقد دهشوا في أول الأمر أن يروا ذاك الذي قيل عنه أنه حمل الله، يحتد ويغضب إلى هذه الدرجة! لكنهم تذكروا النبوة الواردة في هذا المزمور المجيد حيث يتكلم داود عن المسيا. وقد أعلن له أن للرب غيرة من أجل بيته. وهي شديدة جداً، حتى أنها أكلته، أي جعلته يتضع ويبذل نفسه على مذبح الصليب.
حين نتأمل في رومية 15:3 نجد أن المسيح قد طبق الجزء الأخير من هذه الآية على نفسه، بدليل قول الرسول »لِأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ، بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: »تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ«.
(21) يخبرنا الإنجيل أن يسوع، بعد أن فرغ من إتمام وصيته بشأن أمه، رأى أنه أكمل كل ما كان عليه أن يعمل، فلم يبق أمامه إلا أن يتجرع كأس الموت. إلا أنه في هذه الأثناء سمح لنفسه بأن ينتبه لحظة إلى آلامه الجسدية، التي كان قد شغله عنها اهتمامه بغيره فقال »أنا عطشان« فجاءت كلمته مطابقة لما ورد عنه في هذه الآية. ونفهم من القرائن أنه لم يقل أنا عطشان، بقصد أن يتم الكتاب، بل أنه كان عطشان فعلاً. لأن آلام الصليب المحرقة، كانت على جسمه الشديد الحساسية أحر من الجمر فيبس لسانه.
أنا عطشان، كانت هذه الكلمة أقصر العبارات التي فاه بها يسوع على الصليب. كانت غصصه المريرة قد بلغت مرحلة الفداء، فاستساغ المر لنستحق نحن الحلو. وأزكى العطش صدره ليروي ظمأنا من نهر صاف من ماء حياة لامعاً كبلور خارجاً من عرش الله (رؤيا 22:1).
قال أنا عطشان، ولكن من يستجيب لطلبته في تلك الساعة؟ من يمد يد الرأفة لمصلوب؟ إن اليهود الذين انتظر منهم رقة، كان في قلبهم حقد عليه لا ينحل. فضنوا عليه وهو المشرف على الموت بنقطة ماء. كان احد الجنود الرومان آنئذ يرفع إلى شفتيه كأس البوسكا، وهي الخمر الرخيصة المصنوعة من الخل أو النبيذ التالف والبيض المخفوق. ورأى عن قرب قطعة الاسفنج، فأمسك بها وغرز رمحه فيها، ثم غمسها في الكأس حتى تشبعت بالشراب ورفعها إلى شفتي يسوع المحمومتين. أما يسوع فلما ذاق السائل الحمضي الذي ألهب الشفتين الممزقتين، قال »قد أكمل« وهكذا مات بين أعدائه في حرارة العطش.
اذكر هذا يا أخي ، أن المسيح لأجل فدائك وصل إلى هذا الدرك من الهوان. فاستغاث وليس من يغيث. ومع أن شريعة اليهود تقول: إن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه، إلا أنهم عاملوا المسيح كما لو كان أكثر من عدو. كل هذا من أجلك لكي يصالحك مع الله. لاحظ أن الكلمات السبع التي فاه بها على الصليب، ليس فيها عن آلامه الجسدية، إلا هذه الكلمة »أنا عطشان« وهذا يعني أن عطشه فدائي اختبره ليرفع عنك ذلك العطش، الذي كان عليك أن تختبره في لهيب الوقائد الأبدية (الإنجيل بحسب لوقا 16:24).