ثالث عشراً المزمور الثاني و العشرين

 

 

لقراءة الاعتراض كاملاً انقر هنا

للرد نقول

نبدأ معاً بما ورد في تفسير اسكندر جديد

1إِلهِي! إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيداً عَنْ خَلَاصِي عَنْ كَلَامِ زَفِيرِي؟ 2إِلهِي، فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلَا تَسْتَجِيبُ. فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلَا هُدُوءَ لِي. 3وَأَنْتَ الْقُدُّوسُ الْجَالِسُ بَيْنَ تَسْبِيحَاتِ إِسْرَائِيلَ. 4عَلَيْكَ اتَّكَلَ آبَاؤُنَا. اتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ. 5إِلَيْكَ صَرَخُوا فَنَجُوا. عَلَيْكَ اتَّكَلُوا فَلَمْ يَخْزُوا. 6أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لَا إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ.

يطبق العهد الجديد هذا المزمور بطريقة إيجابية قاطعة على يسوع، حين أخذ وظيفة حمل الله. لأن في عباراته تفصيلات واضحة عن موته على الصليب، حتى أنك لترى في محتوياته مجموعة من الكلمات التي فاه بها رب المجد خلال ساعات آلامه المبرحة. وهو بذلك يرينا جوهر الكفارة والارتباط بين البر الإلهي والنعمة في عمل المسيح. هذا الارتباط من أعظم بركات الله لنا، لأنه يهبنا قدوماً إلى الله في ثقة الإيمان، وفرح الرجاء، وغبطة المحبة.

(1) إلهي إلهي لماذا تركتني؟ هذه الكلمات تكشف لنا عن مدى العمق الذي نزل إليه يسوع وهو ينفذ المشورات الإلهية بالفداء. وقيل إن الفادي كان يردد كلمات المزمور تصويراً لحاله وإعلاناً لثقته الكاملة بالله. لأنه يعلم أن الآلام التي يجتازها ستنتهي بالنصر.

لقد وقف سيدنا في تلك الظلمة، حيث لم يستطع أحد أن يقف. وهناك أرسى أساس الخليقة الجديد، التي لا تتزعزع، فأسقط سقوط الإنسان، ورد لله مجده بالإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. وبكلمة أخرى إنه بعمله الكفاري دان الخطية وأمكن تبرير الخاطئ بالنعمة المخلصة، فصار القول »الحق والرحمة التقيا، البر والسلام تلاثما«.

من الواضح أن الذين سمعوا صرخة يسوع لم يفهموا ماذا كان يجري على الصليب. فقد ظن بعضهم أنه ينادي إيليا، وهؤلاء كانوا يهوداً. ولعل الوثنيين ظنوا أنه ينادي أحد الآلهة. وعلى أي حال لو أن المسيح مات وعلى لسانه صرخة كهذه لكان الأمر يبدو فظيعاً. لكن الأمر لم يكن كذلك فالإنجيل يخبرنا أنه قبل أن يسلم الروح صرخ بصوت عظيم »قد أكمل« (الإنجيل بحسب يوحنا 19:3) وهذه الصرخة تركت آثارها في عقول الناس. لأنها كانت صرخة المنتصر. وهي أيضاً هتاف من أتم عمله وفاز في المعركة، وصرخة من خرج من الظلام إلى مجد الضياء، وأمسك بإكليل الظفر. فالمسيح إذن مات وصرخة الانتصار على شفتيه.

ولنا في فوز المسيح درس رائع، فقد هبط له المجد إلى عمق الهاوية، ليتيح لنا خلاصاً، وهكذا نحن، إن كنا نتعلق بالله حتى عندما لا يلوح لنا رجاء بالعون، وإن كنا نتمسك ببقايا إيماننا، فإن الفجر سيشرق علينا. وبكلمة أخرى إن المنتصر هو من لا يترك إيمانه، حتى عندما تضيع كل وسائل الإيمان.

يخبرنا الإنجيل أن يسوع تبارك اسمه، أمضى على الصليب ست ساعات في آلام مريرة جداً. ومع ذلك لم يتلفظ بكلمة تنم عن حزنه، ولم يشك ولم يرث لنفسه. على العكس، فحين سمره أعداؤه على الخشبة وراحوا يستهزئون به ويجدفون على اسمه رفع صوته نحو السماء وقال »يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون«. وحين وضع أحد اللصين المصلوبين معه ثقته فيه قال له »الحق أقول لك، اليوم تكون معي في الفردوس«.

(2 و3) إن كلمة نهار الواردة هنا تشير إلى الساعات الثلاث الأولى للصليب حيث كانت الشمس تطل على الأرض لكي تسجل على البشر بشاعة الجريمة التي ارتكبت ضد ابن الله. أما كلمة ليل فتشير إلى ساعات الظلمة حين حجبت الشمس نورها عن الكون لتلقي ستاراً على ذلك المنظر الذي يحمر له الجبين خجلاً.

كانت أوجاعه أكثر مما يحتمله الإنسان، ومع ذلك فقد دعا الله وبرره وأعلن أنه القدوس. ولكن لم يكن منه جواب. والسبب هو أن يسوع كان يتعامل مع العدل الإلهي، الذي سر بأن يسحقه بالحزن إذ جعل نفسه ذبيحة إثم (إشعياء 53:10). ومعنى هذا أن كل ما استحقته خطايانا من سخط وغضب ودينونة، وضع على القدوس، كما هو مكتوب »لِأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللّهِ فِيهِ« (كورنثوس الثانية 5:21).

(4-6) يوجد فرق بين معاملة الله للآباء الأقدمين، ومعاملته للرب يسوع على الصليب. فأولئك عاملهم بالرحمة، وإذا اعترفوا بخطاياهم وتركوها، غفر لهم. أما يسوع قفد عومل كحمل ذبيح للتكفير عن خطايانا، وبذلك تم القول النبوي »وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا« (إشعياء 53:6).

لقد اقتضى عمل الفداء أن ينزل إلى دون ما نزل إليه إنسان من قبل. احتقر وذل من الناس، ولم يكن له أن يدافع عن نفسه. وبتعليقه على صليب العار، صار عاراً عند الشعوب.

هل تدرك معنى ما تحمله يسوع من أجلك؟ إنه لمن الشر، بل هو الشر عينه أن ترفض خلاصاً هذا مقداره. تحمل المسيح كل هذا الألم والحقارة والموت لكي يعده لنا. فكر يا أخي في اللعنة التي حملها يسوع بتعليقه على خشبة الصليب لتصير إليك البركة، لأنه مكتوب »ملعون كل من علق على خشبة«.

7كُلُّ الَّذِينَ يَرُونَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: 8»اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ. لِيُنْقِذْهُ لِأَنَّهُ سُرَّ بِهِ«. 9لِأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنّاً عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. 10عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلهِي. 11لَا تَتَبَاعَدْ عَنِّي لِأَنَّ الضِّيقَ قَرِيبٌ. لِأَنَّهُ لَا مُعِينَ.

12أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي. 13فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ. 14كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي. 15يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ تَضَعُنِي. 16لِأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلَابٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. 17أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. 18يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ.

19أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَلَا تَبْعُدْ. يَا قُوَّتِي أَسْرِعْ إِلَى نُصْرَتِي. 20أَنْقِذْ مِنَ السَّيْفِ نَفْسِي. مِنْ يَدِ الْكَلْبِ وَحِيدَتِي. 21خَلِّصْنِي مِنْ فَمِ الْأَسَدِ، وَمِنْ قُرُونِ بَقَرِ الْوَحْشِ اسْتَجِبْ لِي.

(7 و8) في هذه الفقرة، تصف كلمة الوحي الحال التي صار إليها المخلص. فقد لاحقته تعييرات الأردياء من البشر. فالشيوخ كانوا يهزأون به، قائلين: آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام! خلص نفسك وانزل عن الصليب (الإنجيل بحسب مرقس 15:29 و30). وحذا آخرون من أبناء الشعب حذو الشيوخ، ففغروا أفواههم وأطلقوا ألسنتهم بكلام التعيير والتحقير. وفيما هم يظنون أن الله قد تخلى عنه، راحوا يجدفون على اسمه. ويخبرنا متى الإنجيلي أن المجتازين، كانوا يهزّون رؤوسهم استهزاء وسخرية. وكذلك سجل البشير على رؤساء الكهنة والكتبة، أنهم في سخريتهم استخدموا نفس كلمات المزمور إذ قالوا »اتَّكَلَ عَلَى اللّهِ، فَلْيُنْقِذْهُ« (الإنجيل بحسب متى 27:43).

كانوا أغبياء ومظلمي الفكر إلى حد أنه طمس على عيون ذهنهم، وغلظت قلوبهم، فاستهانوا بقداسة الله ورحمته. ولم يدركوا معنى النبوة التي كانت تتم فيهم. فقد كانت عبارات هذا المزمور بين أيديهم، ولعل بعضهم كانوا يحفظونها. ولكنهم في جهالتهم كانوا هم المتممين لها.

ويخبرنا لوقا في روايته عن صلب رب المجد »وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ، وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضاً مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: »خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللّهِ« (الإنجيل بحسب لوقا 23:35) والواقع أن الرؤساء وقد تمموا كل مشورتهم، تبعوا يسوع إلى مكان الصلب، لكي يتلذذوا بنتائج ظفرهم. ومن فضلة قلوبهم العامرة بالشر، تكلمت ألسنتهم بالسخرية والهزء. وكانوا يظنون أنهم يتكلمون بالمنطق »خلص آخرين فليخلص نفسه« وهنا تغافلوا عن أهم الحقائق فلو خلص نفسه لما كان هو المسيا المخلص.

وهناك حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة، وهي قصر نظرهم في الأمور الروحية، فإذا لم يقدروا أن يعيروه بخطية، عيروه بما كان يميز مجده الأدبي وهو اتكاله على أبيه وسرور الآب به. السرور الذي سمع الآب يعبر عنه، حين اعتمد يسوع في نهر الأردن. ولعلهم بسبب تجاهلهم هذا الأمر، نسوا أيضاً النبوة القائلة: »أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ« (إشعياء 53:10).

(9-11) ما أعمق كلمات هذه الفقرة العجيبة! فإن المسيا الذي حبل به من الروح القدس، جاء إلى العالم في ملء الإحساس بعلاقته بالآب السماوي. واليوم في ساعات آلامه، يخاطبه بما معناه أنت أخرجتني من البطن، وكنت أساس طمأنينتي وموضوع ثقتي، منذ جئت إلى الدنيا ونشأت قريباً منك. والآن قد أصبح ضيق الموت قريباً، فلا تتباعد عني.

هنا حقيقة جديرة باهتمامنا، وهي أن الاعتماد الكلي على الله هو الضمان الوحيد للحياة النقية الطاهرة أمام الرب. أما الخطية التي تباعد بين الإنسان وخالقه فليست سوى تنفيذ مشيئتنا نحن. فليت كل واحد منا يخضع مشيئته لله، ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله الذي كان الله بالنسبة له كل شيء. ولما رفع على الصليب وبدت الأمور وكأن السماء تخلت عنه، لم يتلاش سروره في أن يفعل مشيئة الآب الذي أرسله. ويتعبير آخر أنه ارتضى أن يأخذ مكان الإنسان البعيد عن الله، لكي يقربه بدمه (أفسس 2:13).

(12 و13) في الفقرة السابقة، رأينا وصفاً لآلام السيد، التي تقبلها من يد الآب، والتي هي آلام دينونة الله للخطية. وقد تطوع ابن الله ليرفعها بذبيحة نفسه. أما في هذه الفقرة فنقرأ عن آلامه من يد البشر. هذه الآلام التي تفوق الوصف، لا دخل لها في نطاق الكفارة، وإنما هي تكشف عن شر الإنسان وعداوته للرب الذي جاء لكي يحسن إليه.

لقد صورهم المزمور بالثيران التي هي رمز القوة الجامحة والكبرياء المتمردة. وهي تمثل شعب إسرائيل المرتد عن الله، بصورة عامة وزعماءه بصورة خاصة. هذا ما أوضحه عاموس النبي حين قال: اسمعي هذا القول يا بقرات باشان (عاموس 4:1). ووصفهم أيضاً بالسباع المفترسة المزمجرة. أما الله نفسه فقد وصفهم بالشعب الصلب الرقبة (خروج 32:9) ومعنى هذا أن أعداء يسوع كانوا قساة، لا مكان للرأفة في قلوبهم، لأن الحقد احتلها. وبدافع هذا الحقد تعقبوه منذ البداية، في غضب ووحشية لإهلاكه. وقد أشار يسوع إلى ذلك بقوله »رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي« (الإنجيل بحسب يوحنا 15:24).

(14 و15) أمام حقد اليهود الذي لا يعرف هوادة اكتأب السيد رب المجد وتألم وتضايق. حتى أنه قال في جثسيماني »نفسي حزينة حتى الموت. ويخبرنا لوقا الإنجيلي أن عرقه صار كقطرات دم نازلة على الأرض«.

ويصور لنا المزمور تعبه وأوجاعه بعبارات مؤثرة تهتز لها أقسى العواطف. وهل من مشهد كهذا يذيب القلوب؟ يسوع الحبيب بدا معلقاً على الصليب، وكأن كل عضو في جسده قد انفصل عن الآخر. وكأن قلبه يذوب كالشمع في نار غضب عدل الله على الخطية. أما قوته فتحطمت مثل إناء خزف ضرب به الصخر. وقد أحس سيد الوجود بالجفاف والتصق لسانه بشفتيه الداميتين، وتمنى جرعة ماء يبرد بها غليله.

(16-18) لقد كشف الصليب الأشرار في وحشيتهم. أنهم كلاب مسعورة نجسة، تفترس غيلة، مجردة من كل عاطفة شريفة. جماعة من الأشرار التفوا حول ابن الله، ولم تأخذهم عليه شفقة، بل إن منظره الأليم أثار ضحكهم واستخفافهم. فعلقوه على صليب بمسامير ثقبوا بها يديه ورجليه. وفي عدم استحياء جردوه من ثيابه، واقتسموها بينهم بالقرعة، التي هي سلطان الله، وإنما حقروا بها القدوس الحق.

قال الدكتور زويمر: إن لهول الصلب الذي اختبره يسوع مظهرين: الألم الجسداني والألم النفسي. فألم الجسد من جراء الجلد الفظيع وتسمير اليدين والقدمين وعطش الحمى واختلاج الأعصاب يعذبها حمل الجسد المكسور الراغب في الانطلاق. وألم الروح لكونه رفض من خاصته، وعري من ثيابه وأحصي مع أثمة، وعلق على صليب اللعنة.

تلك كانت نهاية الجانب البشري من قصة الصليب، حيث كشفت خسة الإنسان. ويا له من وصف كامل لما حدث على تلة الجلجثة! وقد كتبت القصة بلغة الأنبياء. كتبها داود قبل وقوع الحادث بما يزيد على ألف سنة.

(19-21) يتحول الفادي عن أشرار البشر قاتليه إلى أبيه القدوس، ومرة أخرى يسأله أن لا تنقطع الشركة بينهما. فإنه مهما بالغ الناس في سوء معاملته لا يؤثر. فالمهم في نظره هو موقف الآب، فما دام قريباً منه فلا عبرة بما يلاقيه من الناس.

أما سؤاله أن يُنْقَذ من سيف الموت، فهو القيامة من الأموات هذا ما تؤكده الكلمة الرسولية القائلة »الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ« (عبرانيين 5:7) والكلب والأسد في هذه الآية يمثلان الشيطان.

بقي أن أسألك هل أدركت مدى فظاعة ما عاناه المسيح على الصليب لأجلك، لكي يفتديك، ويشتري لك الحياة الأبدية؟ إن الثمن باهظ كما ترى، وله من الاعتبار ما يحرك ضميرك المثقل. فتتجاوب مع المحبة الفدائية العجيبة التي احبك بها. فتعرف الفادي في شركة آلامه، وبالتالي تصير بقيامته.

22أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي. فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ. 23يَا خَائِفِي الرَّبِّ سَبِّحُوهُ. مَجِّدُوهُ يَا مَعْشَرَ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ. وَاخْشُوهُ يَا زَرْعَ إِسْرَائِيلَ جَمِيعاً. 24لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يَرْذُلْ مَسْكَنَةَ الْمَِسْكِينِ، وَلَمْ يَحْجِبْ وَجْهَهُ عَنْهُ، بَلْ عِنْدَ صُرَاخِهِ إِلَيْهِ اسْتَمَعَ. 25مِنْ قِبَلِكَ تَسْبِيحِي فِي الْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَةِ. أُوفِي بِنُذُورِي قُدَّامَ خَائِفِيهِ. 26يَأْكُلُ الْوُدَعَاءُ وَيَشْبَعُونَ. يُسَبِّحُ الرَّبَّ طَالِبُوهُ. تَحْيَا قُلُوبُكُمْ إِلَى الْأَبَدِ. 27تَذْكُرُ وَتَرْجِعُ إِلَى الرَّبِّ كُلُّ أَقَاصِي الْأَرْضِ. وَتَسْجُدُ قُدَّامَكَ كُلُّ قَبَائِلِ الْأُمَمِ. 28لِأَنَّ لِلرَّبِّ الْمُلْكَ وَهُوَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى الْأُمَمِ. 29أَكَلَ وَسَجَدَ كُلُّ سَمِينِي الْأَرْضِ. قُدَّامَهُ يَجْثُو كُلُّ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى التُّرَابِ وَمَنْ لَمْ يُحْيِ نَفْسَهُ. 30الذُّرِّيَّةُ تَتَعَبَّدُ لَهُ. يُخَبَّرُ عَنِ الرَّبِّ الْجِيلُ الْآتِي. 31يَأْتُونَ وَيُخْبِرُونَ بِبِرِّهِ شَعْباً سَيُولَدُ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ.

في ما تقدم رأينا عمل الفداء يتم، وقد قبله الآب وشبعت نفسه به. ورأينا المخلص يتجرع آلامه الفدائية وحيداً، إلا أنه لا يُرى هكذا في الآيات التالية. إننا نراه في غمرة الفرح، وليس وحيداً بل محاطاً بربوات القديسين، الذين فداهم بدمه، وكمل فرحه فيهم. فحبة الحنطة كما قال، »وقعت في الأرض وماتت، فأتت بثمر كثير«.

(22) الآن وقد أكمل يسوع العمل الكفاري بذبيحة نفسه، نجد تبايناً مباركاً. فليس هو بالمتروك فيما بعد ولا الصارخ إلى الله. ولكننا نسمع صوتاً قوياً حلواً قديراً، متحدثاً بتسبيح الله وسط أولئك الذين يسميهم إخوته، قائلاً »أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي، وَفِي وَسَطِ الْكَنِيسَةِ أُسَبِّحُكَ« (عبرانيين 2:12).

إنه لامتياز لنا سعيد، أننا كمفديين نشترك مع القديسين بتسابيح الحمد، ونرفع عبادتنا وشكرنا للرب الذي فدانا. ولكن أليس أعجب من هذا أننا نصغي أولاً إلى رب المجد الذي كان طول أيام جسده يعلن اسم الآب ومجد الآب، إلا أنه في هذه المرة يخبر المؤمنين باسم الآب في وسط الكنيسة؟! هؤلاء صيرهم بالنعمة أولاد الله وبالتالي إخوته، وفقاً لقوله في صلاته الشفاعية: وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني وأكون أنا فيهم (الإنجيل بحسب يوحنا 17:26) فيا لها من رابطة عجيبة! ويا له من قول مجيد... يرينا ارتباطنا المبارك مع رب المجد! ويا لها من نعمة فائقة، إننا نقترن به كالمسيح وكالقائد لتسبيحاتنا!

ويخبرنا يوحنا الإنجيلي أن إعلان تلك الإخوة المباركة، كانت الرسالة، التي حملها للمجدلية بعد قيامته مباشرة، إذ قال لها »اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ« (الإنجيل بحسب يوحنا 20:17) هنا تأسست الصلة العجيبة، وأعلن الاسم الإلهي المجيد، اسم آب الكل، مع التمييز الضروري بين الرب وشعبه، حيث قال له المجد »أبي وأبيكم« ولم يقل أبونا. وهو تمييز يذكرنا بمطلق مجده. فلنسبح ذلك الذي سر بأن يدخلنا في هذه القرابة معه، والتي تضم كل شعب الله. وعلى هذا نرى الرسول يقول »أَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهذَا السَّبَبِ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً« (عبرانيين 2:11) فكم هو جميل ومبارك، أن تكون أنت نفسك من عداد أولئك المقدسين الذين لا يستحي المسيح أن يدعوهم إخوة!!!

(23) في هذه الآية دعوة موجهة إلى جميع خائفي الرب، لكي يسبحوا الرب. وهنا نجد لمسة من العهد الجديد، الذي يمتد إلى جميع خائفي الرب من كل قبيلة وشعب ولسان وأمة. هذه الدعوة لم تكن متفقة مع سنن الأمة اليهودية، التي كانت متقوقعة وراء تقاليد الآباء، ضاربة بشريعة الله عرض الحائط. ولهذا كان قادة اليهود موضوعاً لتوبيخ الرب يسوع إذ قال »فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً. وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ« (الإنجيل بحسب متى 15:6-9).

(24) قد يبدو للمتأمل وهو يقرأ الآيات السابقة كأن الآب وهو متخذ صفة الديان، قد حول وجهه عن ابنه باعتبار كونه حامل خطايا البشر في جسده على الخشبة. ولكن في الحقيقة أنه لم يتركه، إلا أن مستلزمات الفداء الذي أخذه الابن على عاتقه قضت أن يتعامل الآب معه كديان، في نفس الوقت الذي كانت أحشاؤه تحن إلى ابنه الحبيب. ولا بد أن بهجته كانت عظيمة في اللحظة التي قام فيها الابن من بين الأموات، منتصراً على الموت والهاوية.

لقد بدا السيد المصلوب لأعدائه وكأنه مصاباً، مضروباً من الله ومذلولاً، أو كما وصف بأنه دودة لا إنسان رجل أوجاع ومختبر الحزن. وحين صرخ، إلهي إلهي لماذا تركتني، ظن الأعداء أن الآب قطع علاقته به، فقالوا ليس له خلاص بإلهه. وأخيراً نزل إلى القبر، ففرح الأعداء المغتاظون. ولكن الآب أقامه، ناقضاً أوجاع الموت.

(25) إن الذين قبلوا رسالة الجلجثة، تمتعوا بفوائد الفداء وصاروا بركة لجميع الأمم. وصار اقتبالهم حياة من الأموات (رومية 11:15) وبهذا اتسعت دائرة التسبيح، التي فيها أعلنت محبة الله ولطفه وطول أناته. وهنا يجب التمييز بين الجماعة التي ذكرت في الآية 22 والجماعة التي ذكرت هنا فالأولى كنيسة الوقت الحاضر، والبقية الأمينة في المستقبل. أما الثانية التي أطلق عليها اسم الجماعة العظيمة، فهي جماعة الشعوب الألفية، من كل القبائل والشعوب. والأمم والألسنة (رؤيا 7:9).

(26) إن الودعاء هم الذين قادهم الاتضاع ونكران الذات، إلى الإقرار بأنهم خطاة. ثم لجأوا إلى الرب المخلص، واحتموا في قمة موته الكفاري على الصليب. هؤلاء يعيشون، وكأن حياتهم تتكلم بمحبة الرب الذي فداهم. فهم بركة عظيمة بين شعوب الأرض »لأنهم يضيئون بينهم كأنوار متمسكين بكلمة الحياة«.

(27 و28) في هذه العبارات وصف لملكوت الله، حين تدخل الخلائق في بركة ملك المسيح الألفي. صحيح أن هذا لم يتم بعد، ولكنه سيتم حين يأتي الرب ثانية في قوة ومجد كثير. وحينئذ يعترف كل لسان، أن يسوع رب لمجد الله الآب.

(29-31) في نموذج الصلاة الذي علمه المسيح ودعي بالصلاة الربانية، نقرأ هذه الطلبة »ليأت ملكوتك« ومعنى أننا نتوقع أن يأتي ملكوت الله بكل بركاته. وعندئذ تأخذ الخليقة موقفها الصحيح قدام الله، فتنال البركة التامة، التي هي وليمة الشكر على خلاص الله للذين لهم وعد المسيح بالجلوس على مائدته. يقابل ذلك وبصورة عكسية، أن الذين يزدرون بما فعل الله لأجل خلاص العالم، ويسخرون من صليب الفداء، ينحدرون إلى التراب ومصيرهم إلى الهلاك، لأنهم لم يحيوا أنفسهم.

يختم هذا المزمور بلمسة من العهد الجديد، فإن الحق الرئيسي للإنجيل هو بر الله. البر الذي يناله الخاطئ الأثيم، بواسطة عمل الرب على الصليب. هذا العمل يعطي كل مؤمن، ليس البر وحسب، بل أيضاً القوة لكي يغلب. ومن يغلب له وعد المسيح بأن يعطيه إكليل الحياة.

و الان و بعد أن قرأنا معاً لننتقل لتفسير القس أنطونيوس فكري

هذا المزمور من أشهر المزامير التي تكلمت بوضوح عن آلام وصلب السيد المسيح . والسيد

استخدم افتتاحية المزمور وهو على الصليب ليشير أنه هو المقصود بكلمات المزمور . وكان

اليهود يستعملون أول عبارة في المزمور كاسم للمزمور، وهذا ما نفعله الآن . لذلك فحين قال

السيد على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني " تذكر الواقفون حول الصليب كل كلمات

المزمور فرأوا أمامهم صورة ناطقة حية وتحقيقًا لنبوات المزمور . والعهد الجديد اقتبس من

هذا المزمور ١٣ مرة منها ٩ مرات في قصة الآلام وحدها . وقد اتخذ منه تلاميذ المسيح مادة

للكرازة بصلب المسيح وموته وقيامته.

المزمور يحدثنا عن آلام المسيح ثم قيامته ثم الكرازة بالإنجيل وإيمان الأمم . فالروح القدس

الذي عمل في الأنبياء هو الذي شهد على لسان داود بكل عمل المسيح ( ١بط ١٠:١،١١)

فواضح أن داود هنا لا يتكلم عن نفسه . وإن إنطبقت بعض الصور على داود فهو كان أبو

المسيح بالجسد، وكان رمزًا للمسيح . ولكن في كثير من الآيات نجد أنها لا تنطبق سوى على

المسيح فقط . وداود نطق بهذا لأن الروح حمله بعيدًا عن آلامه هو فنطق بآلام المسيح . هو

بدأ يشكو من ألامه ولكننا نجد الروح ينطق على لسانه بآلام المسيح.

عنوان المزمور على أيلة الصبح= في تفسير هذا وضعت عدة احتمالات:

١. أن نغمة المزمور على نفس نغمة لحن مشهور بهذا الاسم.

٢. المسيح كان في آلامه يتألم كأيل جريح برئ حتى يأتي عليه وقت الصبح

 بالفرج، ونلاحظ أن قيامة المسيح كانت في الصبح. (نش ١٤:٨)

٣. التقليد اليهودي يقول أن هذا اللف ظ يعني الشكينة أي السحابة المجيدة التي كانت

تظهر وسط شعب الله.

آية ( ١): "الهي الهي لماذا تركتني. بعيدا عن خلاصي عن كلام زفيري."

هنا نرى تكلفة فدائنا، فلقد حُ سبَ ربنا كممثل للبشرية، كأنه متروك من الآب إلى حين، فهو

٢كو ٢١:٥ ). فهو ف ي خضوع ترك نفسه تحت غضب الآب . + صار لعنة لأجلنا (غل ١٣:٣

حين نسمع "إلهي إلهي لماذا تركتني " نفهم أن المسيح يسأل هذا السؤال لماذا تركتني أيها الآب

لهذه الآلام .. لنجيب نحن " لأجل خطايانا .. ولمحبته لنا كان هذا " وإذا فهمنا أن المسيح هو

رأس جسد الكنيسة نفهم أن الله ترك العالم لآلامه بسبب الخطية. فهو القدوس (آية ٣) وكأن سبب ترك الإنسان في الألم وسبب ألام المسيح هو قداسة الله التي لا تقبل الخطية، ويجب أن

يسدد بالكامل ثمن الخطية . لذلك حمل هو خطايانا . وقوله إلهي إلهي يشير أنه يتكلم نيابة عن

البشرية التي يعاقب بسببها . وهذا القول يمكن أن يصرخ به داود أو أي إنسان متألم حين

يشعر بأن الله قد تخلى عنه . وقد وقف الله بعيدًا لا يخلصه من ضيقته = بعيدًا عن خلاصي .

عن كلام زفيري = فهو لا يكف عن الصراخ لله في كل مرة يتنفس فيها ولكنه لا يرى أن الله

يتدخل ليخلصه.

آية ( ٢): "الهي في النهار أدعو فلا تستجيب في الليل أدعو فلا هدوء لي."

والمسيح صلى لي ً لا في البستان حتى تعبر عنه هذه الكأس . وصلي نهارًا وهو على الصليب .

ولكن كانت إرادة الآب أن يشرب الكأس حتى النهاية . وهناك من فهم أن قول المرنم في

الليل= إشارة للظلمة التي حدثت على العالم وقت الصليب . وكل من في ضيقة يقول هذا، أنا

أصرخ الليل والنهار والله لا يستجيب، فهو يتمهل لحكمته التي لا نفهمها.

آية ( ٣): " وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل."

الله مسبح في قديسيه وملائكته، والله يفرح حين يسبحه القديسين بأفواه نقية بلا غش.

الآيات ( ٤،٥ ): "عليك اتكل آباؤنا . اتكلوا فنجيتهم . إليك صرخوا فنجوا . عليك اتكلوا فلم

يخزوا."

هكذا ينبغي أن نصلي، فالمرنم هنا يذكر إستجابة الله للآباء، ويتكل عليه كمخلص له.

آية ( ٦): "أما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب."

قارن مع (أش ١٤:٤١ ). فالدودة هي أحقر المخلوقات ويشعر أمامها الإنسان أنه قوي جدًا

وقادر على سحقها . وفي الآيات ( ٤،٥ ) نرى المرنم يقول في ثقة أن الآباء حين إتكلوا على

الله خلصهم، أما هو فدودة حقيرة، وحالته ميئوس منها، وأن الله قد تركه . وهنا فالمرنم يتكلم

بلسان المسيح الذي صار مهانًا ومحتقر الشعب، بل صار في عيون أعدائه مرذو ً لا من الله

- كدودة مداسة بالأقدام . ونلاحظ أن الصليب كان موت العار . (تث ٢٢:٢١،٢٣ + أش ١:٥٣

٣) والكلمة العبرية المقابلة ل "دودة" تستخدم للحشرة الصغيرة التي يستخرج منها الصبغة القرمزية، وهذه تنتج عن موت الحشرة، وفي هذا إشارة لدم المسيح وموته، فدمه القرمزي

اللون جعلني أن ا أبيض اللون (أش ١٨:١ + رؤ ١٤:٧ ). هذا الاتضاع الإلهي يخزي كل إنسان

متكبر.

الآيات ( ٧،٨ ): "كل الذين يرونني يستهزئون بي . يفغرون الشفاه وينغضون الرأس قائلين .

اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به."

هذا ما حدث فع ً لا مع المسيح على الصليب (مت ٣٩:٢٧- ٤٣+ مر ٢٩:١٥ – ٣٢)

آية ( ٩): "لأنك أنت جذبتني من البطن. جعلتني مطمئنا على ثديي أمي."

إشارة لأنه وُلِدَ بغير زرع بشر . فالروح القدس هو الذي جذبه من بطن العذراء أما بقية البشر

فيجذبهم البشر من بطون أمهاتهم . وكذلك فالمسيح اجتذب من بطن أمة اليهود هذه البطن

المظلمة التي عاشت في شرها وكبريائها . جعلتني مطمئنًا على ثديي أمي = المسيح صار مثلنا

تمامًا، إنسانًا يرضع لبن أمه العذراء . والآية تشير للمعمودية فالروح القدس يجتذبنا من الماء

(رحم الكنيسة) ونستريح على ثدي أمنا (تعاليم الكنيسة).

الآيات ( ١٠،١١ ): "عليك ألقيت من الرحم . من بطن أم ي أنت الهي . لا تتباعد عني لان

الضيق قريب. لأنه لا معين."

منذ ولادتي ألقيت كل إتكالي عليك يا رب فلا تتباعد عني وتتخلي عني. لقد تخلى عن المسيح

كل تلاميذه وكل من شفاهم، فهو داس المعصرة وحده.

الآيات ( 12 - 18): "أحاطت بي ثيران كثيرة . أقوياء باشان اكتنفتني . فغروا علي أفواههم

كأسد مفترس مزمجر . كالماء انسكبت . انفصلت كل عظامي . صار قلبي كالشمع . قد ذاب في

وسط أمعائي . يبست مثل شقفة قوتي ولصق لساني بحنكي والى تراب الموت تضعني . لأنه

قد أحاطت بي كلاب . جماعة من الأشرار اكتنفتني . ثقبوا يدي ورجلي. أحصى كل عظامي .

وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون."

نجد هنا وصفًا للأعداء المحيطين بالمسيح، وتصوير دقيق لآلامه . ولقد استخدم المرنم حديثًا

مجازيًا لوصف أعداء المسيح . الثيران= هم قادة اليهود وكهنتهم الذين كانوا يقدمون الثيران

والذبائح. أقوياء باشان = هم ا لثيران العنيفة التي من باشان حيث المراعي الخصبة المعروفة

بسلالتها القوية من الأغنام . والله بارك في خيرات شعبه إسرائيل فسمن جدًا ورفس

١٥ ). أسد مزمجر مفترس = هم في قوتهم كانوا كأسد يريدون أن يفترسوا - (تث ١٢:٣٢

المسيح. ولكنهم كانوا في شرهم يتبعون الأسد الزائر وه و إبليس ( ١بط ٨:٥ ). كلاب= إشارة

لمن هم أقل درجة من الكهنة والرؤساء، إشارة للشعب الذي صرخ "اصلبه أصلبه "، وإشارة

للأمم أي الرومان . فالكلاب بحسب الشريعة دنسة . وهم كانوا كالكلاب الشرسة في قسوتهم

وجلدهم وشتمهم للرب يسوع . كالماء إنسكبت = نجد هنا صورة لموت المسيح، ف قد إنحلَّ كل

جسمه، و صار في الضعف شديد، كماء منسكب * لا يمكن جمعه ثانية، مستسلمًا للموت بلا أي

تدعيم ولا معونة . لكن نجد في هذا نبوة عن الماء الذي انسكب منجنبه المطعون . إنفصلت كل

عظامي= هذه نبوة عن طريقة موت المسيح، وأنه سيعلق على الصليب، فعندما علق على

الصليب ارهقت العضلات وانفصلت المفاصل عن مكانها . إلا أن هناك تأمل في هذه الآية،

أن التلاميذ عند صلب المسيح هربوا وتشتتوا . ولأن هناك نبوة أن عظمً ا† منهم لا ينكسر فهو

حفظهم وشددهم حتى لا يضيعون . صار قلبي كالشمع = ذاب من الألم والحزن، وانطبع فيه

كل حزن بسبب خيانة وغ در من أحبهم، وبسبب حمله الخطايا . وبسبب إشتعال نار العدل

الإلهي فيه . لقد انطبعت في قلبه صورة غضب الله ضد الخطية . وكلما نتأمل هذه الصورة

يجب أن تختفي قساوة قلوبن ا . قد ذاب في وسط أمعائي = أي قلبه صار كالشمع المذاب في

داخله من شدة الحزن . يبست مثل شقفة قوتي = لم يكن له أي قوة للمقاومة كالدودة الضعيفة .

لصق لساني بحنكي = من ناحية لصمته فهو لم يدافع عن نفسه حتى بالكلام . ومن ناحية

أخرى بعطشه . إلى تراب الموت تضعني = إشارة لنزوله القبر . وباقي الآيات ١٦،١٧ هي

نبوة واضحة عما حدث على الصليب . أحصوا كل عظامي = نبوة عن الصليب فا لمصلوب

تصير عظامه بارزة من الشد الذي يتعرض له جسده نتيجة تعليقه على الصليب.

الآيات ( 19 - 21 ): "أما أنت يا رب فلا تبعد . يا قوتي أسرع إلى نصرتي . أنقذ من السيف

نفسي. من يد الكلب وحيدتي. خلصني من فم الأسد ومن قرون بقر الوحش استجب لي."

نرى هنا الصورة التي رسمها معلمنا بولس الرسول في (عب ٧:٥ ) فالمسيح يصرخ ليخلصه

الآب. والآب يستجيب بأن يخلص كنيسته أي جسده . وكانت الاستجابة بقيامة المسيح من بين

الأموات لتقوم كنيسته معه . لذلك قيل إنقذ .. من يد الكلب وحيدتي = فوحيدته هي كنيسته

الواحدة الوحيدة، ولكن كما اقتسم العساكر ثيابه اقتسم الهراطقة كنيسته وشقوها بينهم . ولاحظ

هياج أعداء الكنيسة من حولها. فهو اسماهم هنا الأسد= الشيطان. الكلب= الذي يريد أن يمزق

ما يطوله منها . وهم أعداء أقوياء لهم قرون قوية = قرون بقر الوحش . والمسيح يصرخ

لتخلص كنيسته من الآلام التي تجوز فيها = انقذ من السيف نفسي = كما قيل للعذراء وأنت

يجوز سيف في نفسك "ونلاحظ أنه قيل عن الله "في كل ضيقتهم تضايق " فالله يشعر بآلامنا

النفسية الناشئة عن ظلم أعدائنا لنا . ولقد تعرض المسيح للسيف بمعنى تعرضه للصلب

والموت وبمعنى ألامه النفسية الرهيبة حينما حمل إثم جميعنا . ويشير قوله إ نقذ .. نفسي ..

وحيدتي إلى أن المسيح صرخ للآب "أن تعبر عنه هذه الكأس إن أمكن " وأن ينجي الآب نفسه

من الموت . وأسماها وحيدة لأنها وحيدة في طبيعتها فهو ابن الآب بالطبيعة وبالنسبة لداود

يفهم هذا على أن وحيد القرن هو ابنه إبشالوم أو أي من أعدائه والكلب هو أخيتوفل، ووحيدته

هي نفسه الطاهرة المسكينة المتواضعة.

الآيات ( 22 - 31 ): "اخبر باسمك اخوتي . في وسط الجماعة أسبحك . يا خائفي الرب

سبحوه. مجدوه يا معشر ذرية يعقوب . واخشوه يا زرع إسرائيل جميعا . لأنه لم يحتقر ولم

يرذل مسكنة المسكين ولم يحجب وجهه عنه بل عند صراخه إليه استمع . من قبلك تسبيحي

في الجماعة العظيمة . أوفى بنذوري قدام خائفيه . يأكل الودعاء ويشبعون . يسبح الرب

طالبوه. تحيا قلوبكم إلى الأبد . تذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض . وتسجد قدامك كل

قبائل الأمم . لان للرب الملك وهو المتسلط على الأمم . أكل وسجد كل سميني الأرض . قدامه

يجثو كل من ينحدر إلى التراب ومن لم يحي نفسه . الذرية تتعبد له. يخبر عن الرب الجيل

الآتي. يأتون ويخبرون ببره شعبًا سيولد بأنه قد فعل."

في الجزء الأول من المزمور يتحدث المرنم عن آلام المسيح . وفي هذه الآيات يتحدث عن

ميلاد الكنيسة = الجماعة، أخوتي فلقد صار بكر ًا بين إخوة كثيرين (عب ١١:٢،١٢+

رو ٢٩:٨ ). وهذه الجماعة وُلِدَتْ بقيامة المسيح من الأموات وحلول الروح القدس على

الكنيسة يوم الخمسين ثم بالمعمودية = شعبًا سيولد (أية ٣١ ). وهذه الكنيسة ستكون كنيسة

كارزة ببر المسيح = يأتون ويخبرون ببره = ستخبر كل من يولد بأنه قد فع ل= أي قدم

الخلاص والتبرير لأولاده . وعمل الكنيسة أن تسبحه وتشكره على ما فعل = سبحوه والكنيسة

تتكون من اليهود معشر ذرية يعقوب . ومن الأمم = تسجد قدامك كل قبائل الأمم والله يسمع

لشعبه ولكن بشروط أن من يصرخ يكون متواضعً ا= يسمع صراخ المسكين = أي المنسحق

الذي يشعر بخطاياه ويتواضع بين يدي الله . وفي كنيسته يعطى الشبع لأولاده فهو أو ً لا

يعطيهم جسده ودمه . ويشبعهم بتعاليمه وطوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون .

ويزيد إيمانهم . ويملك الله على قلوبهم = لأن للرب الملك . ونرى مثا ً لا آخر لشرط الانسحاق

أمام الله = قدامه يجثو كل من ينحدر إلى التراب = كلهم قابلين الصليب ومن لم يحيي نفسه =

أي من لم يطلب ملذات العالم = من أراد أن يخلص نفسه يهلكها . ونلاحظ ن المسيح استخدم

الآية ( ١) من المزمور على الصليب . وبولس الرسول نسب الآية ( ٢٢ ) للمسيح في

(عب ١٢:٢ ). لقد رأينا المسيح وحيدًا على الصليب ولكن بعد القيامة نراه يظهر وسط إخوته

ليؤمنوا بقيامته (يو ١٨:٢٠ ). ومن آمن وعرف المسيح تكون له حياة = تحيا قلوبكم إلى الأبد

(يو ٣:١٧ ). ونرى هنا أنه حتى الأغنياء والأقوياء لهم نصيب في هذا الشبع الروحي

والخلاص= أكل وسجد كل سميني الأرض = ولكن الشرط لهذا القبول نجده في بقية الآية ..

قدامه يجثو كل من ينحدر إلى التراب = أي المتواضعين المنسحقين وهناك شرط آخر أن يتمم

هذا الشخص العظيم غنيًا كان أو قويًا، خلاصه بخوف ورعدة = يا خائفي الرب سبحوه . والله

لا يرفض أبدًا من يأتي إليه بهذه الشروط= لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين (مت ٣:٥)