تتحدثون في أمور
الإنجيل وأنتم لا تعرفون شيئاًعن بيئته وحضارته وعصره ، بل
وتحاولون أن تتكلمون عنه بأسلوب القرآن وبيئته وحضارته العربية ،
بل وأحيانا بأسلوب عصرنا وحضارتنا كعرب ، وتتجاهلون تماما اختلاف
العصر والبيئة والثقافة ، فقد كانت بيئة الإنجيل وحضارته هي
اليهودية الفلسطينية الشرق أوسطية المتأثرة بخلفيات آشورية وبابلية
وفارسية ويونانية ورومانية ، وهي تختلف اختلافا جوهريا عن البيئة
العربية التي كتب فيها القرآن ، لذا يجب أن نضع نصب أعيننا هذه
الحقيقة الجوهرية .
أما مسألة بقاء المسيح في القبر فقد أكد المسيح نفسه مرات كثيرة
أنه سيقوم في اليوم الثالث :
+ " من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغي أن يذهب إلى
أورشليم ويتألم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي
اليوم الثالث يقوم " (مت21:16) .
+ " فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم " (مت23:17) .
+ " ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه . وفي اليوم
الثالث يقوم " (مت19:20) .
+ وكان اليهود يعرفون هذا الحقيقة ومن ثم قالوا لبيلاطس " فمر بضبط
القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه ليلا ويسرقوه ويقولوا
للشعب انه قام من الأموات . فتكون الضلالة الأخيرة اشر من الأولى "
(مت64:27) .
+ " لأنه كان يعلّم تلاميذه ويقول لهم أن ابن الإنسان يسلم إلى
أيدي الناس فيقتلونه.وبعد ان يقتل يقوم في اليوم الثالث " (مر31:9)
.
+ " وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم
من الأموات في اليوم الثالث " (لو46:24) .
+ وقال القديس بطرس في حديثه مع كرنيليوس " هذا أقامه الله في
اليوم الثالث "(أع40:10).
أن جوهر الموضوع الذي تصمون آذانكم عنه هو تأكيده أنه سيقوم في
اليوم الثالث وقد قام بالفعل في اليوم الثالث لصلبه ، فقد صلب
الجمعة وقام الأحد .
إذا فالأساس في قول المسيح وهو القيامة في اليوم الثالث قد تحقق .
أما عن المدة التي قضاها المسيح في القبر فهي كالآتي :
دفن الجسد الطاهر في القبر يوم الجمعة وقام من الموت فجر الأحد أي
في اليوم الثالث كما سبق أن أعلن مرات عديدة أنه سيقوم " في اليوم
الثالث " .
أما عن القول أن المسيح قال لليهود : " لأنه كما كان يونان في بطن
الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض
ثلاثة أيام وثلاث ليال " (مت40:12مع يون17:1) ، فلكي نفهم معنى قول
السيد المسيح جيداً يجب أن نفهم أولاً النقاط التالية :
1- كان اليوم يبدأ في العبرية اليهودية من المساء وينتهي أيضاً في
المساء " من المساء إلى المساء تسبتون (أي تقضون) سبتكم "
(لا32:23) ، من غروب الشمس إلى غروب الشمس " مساء نحو غروب الشمس "
(تث6:16) ؛ فيوم الجمعة مثلاً يبدأ بغروب شمس الخميس وينتهي بغروب
شمس يوم الجمعة ذاته ، وهكذا بقية الأيام .
2- وكان تعبير " يوماً وليلة " و" نهاراً وليلاً " يقصد به يوماً
كاملاً ، وقد تكرر ذلك في الكتاب المقدس مرات عديدة (1أخ 33:9؛ 2أخ
20:6؛ نح 6:1؛ 3:4؛ مز 2:1، 4:32؛ 3:42؛ 10:55؛ جا 16:8؛ اش 11:60؛
6:62؛ لو 7:18؛ أع 24:9؛ رؤ 8:4، 15:7؛ 10:12؛ 11:14؛ 10:20) .
3- وقد أستخدم تعبير " يوماً وليلة " أو " نهاراً وليلاً " أيضا
بأسلوب أدبي رمزي ، خاصة في تعبيرات " ثلاثة أيام وثلاث ليال " و"
سبعة أيام وسبع ليال " و" أربعين يوماً وأربعين ليلة " الأرقام
التي تعني الكمال ، ليعني أي جزء من اليوم وليس يوماً كاملاً أو
أربعة وعشرين ساعة . وقد جاء في الكتاب " كان موسى في الجبل أربعين
نهاراً وأربعين ليلة " (خر18:24) . وأن أصحاب أيوب " قعدوا معه على
الأرض سبعة أيام وسبع ليال " (أي 13:2) ، والسيد المسيح " صام
أربعين نهاراً وأربعين ليلة " (متى 2:4) . ولم يكن المقصود إطلاقا
بأن اليوم الأخير كان كاملاً من 24 كاملة وإنما انتهت هذه المدد
المذكورة في اليوم الأخير ، في أي جزء منه . وعلى ذلك فقد جاء في
إنجيلي مرقس ولوقا أن السيد المسيح صام " أربعين يوماً " (مر 13:1؛
لو 2:4) دون ذكر لليال ، وجاء في سفر أخبار الأيام الأولى أن الملك
رحبعام بن سليمان قال ليربعام ومن معه " أرجعوا إليّ بعد ثلاثة
أيام " (2أخ 5:10) وعبارة " بعد " تفيد بعد انقضاء ثلاثة أيام ومع
ذلك يقول " فجاء يربعام وجميع الشعب إلى رحبعام في اليوم الثالث
كما تكلم الملك قائلاً أرجعوا إليّ في اليوم الثالث " (2أخ12:10)
وهنا يؤكد أنه حين قال " بعد ثلاثة أيام " قصد أن يأتوا في اليوم
الثالث وفي أي جزء منه سواء صباحاً أو مساءً . وجاء في سفر الملوك
الأول " فنزل هؤلاء مقابل أولئك سبعة أيام . وفي اليوم السابع
اشتبكت الحرب " (1مل29:20) ، وهنا أعُتبر اليوم السابع الذي اشتبكت
الحرب في جزء منه سواء كان ذلك صباحاً أم مساءً هو المتمم " للسبعة
أيام " . وجاء في سفر أستير أنها قالت لمردخاي " صوموا من جهتي ولا
تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً وأنا أيضا وجواري نصوم
كذلك " (أس 16:4) ويقول السفر أيضا " وفي اليوم الثالث لبست أستير
ثياباً ملكية " (اس4:1و5) وقابلت الملك التي صامت قبل مقابلته
وانتهت المدة التي حددتها " بثلاثة أيام ليلاً ونهاراً " في اليوم
الثالث ، لأنها كانت تقصد ثلاثة أيام تنتهي في اليوم الثالث . وهذا
الأسلوب الأدبي والرمزي شائع في الكتاب المقدس ، فهكذا كانت عادة
اليهود وما تزال عادة عند الكثيرين .
وبنفس الأسلوب ونفس الطريقة تكلم السيد المسيح ، فكما قال " إني
بعد ثلاثة أيام أقوم " وقال أيضاً أنه سيقوم " في اليوم الثالث " ،
وكما قال أنه سيمكث في قلب الأرض " ثلاثة أيام وثلاث ليال " قال
أيضا " انقضوا هذا الهيكل (هيكل جسده) وفي ثلاثة أيام أقيمه "
(يو19:2-22) أي أنه سيقوم خلال الأيام الثلاثة ، وقد قام في اليوم
الثالث .
إذاً فالجزء الذي قضاه في القبر من يوم الجمعة أُعتبر وكأنه يوماً
كاملاً وكذلك الجزء الذي قضاه في القبر من يوم الأحد ، فقد مات
ودفن في اليوم الأول وقام في اليوم الثالث من المدة التي حددها
بثلاثة أيام .
وما قصده السيد المسيح هو ما فهمه رجال السنهدرين اليهودي
المعاصرين له حين قالوا لبيلاطس : " قد تذكرنا أن ذلك المضل قال
وهو حي أني بعد ثلاثة أيام أقوم . فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث
" (مت64:27) ، كانوا يعرفون أن عبارة " بعد ثلاثة أيام " تعني "
اليوم الثالث " ، وعندما علموا بقيامته فجر الأحد لم يقولوا أنه
قام قبل انتهاء مدة الأيام الثلاثة أو أن تلاميذه سرقوا جسد قبل
الميعاد الذي سبق أن حدده ، لماذا ؟ لأنه تكلم معهم بتعبيراتهم
التي يعرفونها جيداً ، ولست أظن أن من يقحمون أنفسهم على الكتاب
المقدس أدرى من علماء الكتاب المقدس ولا من يهود عصر المسيح بلغتهم
وتعبيراتهم وكتابهم المقدس .
يا سادة أنتم لا تقرئون الكتاب المقدس أصلاً بل تنقلون من كتب كتبت
هذا الكلام فقط لخدمة عقيدتكم وهذا الكلام مكرر في عشرت الكتب وكل
منكم ينسبه لنفسه .
يا أحبائي اعرفوا أولاً الخلفيات البيئية والحضارية للكتاب المقدس
ثم بعد ذلك ناقشوا ما جاء فيه .
شكراُ للأخ الراعي