مقــدمــة |
منذ بدء دعوته علي الأرض أعلن السيد المسيح صريحاً أنه لابد أن يصلب ويموت وفى اليوم الثالث يقوم. وقد أفرد العهد الجديد فصولاً للمحاكمة والصلب والموت والدفن والقيامة. كما أعلن العهد القديم عشرات المرات من خلال نبؤاته أن المسيح لابد أن يصلب "تثقب يديه ورجليه"
وصار الصليب من علامة خزى وعار بل ولعنة إلى علامة مجد ومصدر فخر للمسيحية "حاشا لى أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" بل رأت المسيحية فى الصليب "قوة الله" "ان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة أما عندنا نحن المخلصين فهى قوة الله". ولكن الصليب كان وما يزال وسيظل لغير المؤمنين عثلرة وجهالة بل ومصدر سخرية "نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله".
والفكر البشرى يقف أمام الصليب مشدوها متحيراً، يمتلىء ذهنه بعشرات الأسئلة، ومعظم هذه الأسئلة نابع من إيمان المسيحية بألوهية المسيح! فإذا كان المسيح إلهاً فكيف يقبض عليه ويحاكم ويصلب ويموت بواسطة جبلته؟ كيف يضطرب أمام الموت "أيها الآب نجنى من هذه الساعة" كيف يطلب من الآب أن يعبر عنه هذه الكأس؟ كيف يصرخ وهو على الصليب "إلهى إلهى لماذا تركتنى؟"، كيف يموت إن كان هو الله والله هو الحى القيوم السرمدى الذى لا يموت؟ من كان يحكم الكون أثناء موت الإله؟
هذه الأسئلة وغيرها تبدو ظاهرياً أنها صعبة الإجابة بل ومستحيلة. ولكن الكتاب يقول إن غير المستطاع عند الناس مستطاع لدى الله وأن فكر الله وطرقه تختلف عن فكر الإنسان وطرقه "يالعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الأستقصاء. لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً".
والكتاب وحده هو الذى يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها فالكتاب هو نفس الله ووحيه "كل الكتاب هو موحى به من الله" كتبه قديسيه محمولين ومسوقين بالروح القدس.
وفى هذا الكتاب نقدم إجابة على هذه الأسئلة وغيرها بناء على ماجاء فى الكتاب المقدسوما سبق أن كتبه وعلمه آباء الكنيسة فى قرونها الأولى وفى كل عصورها حتى يومنا هذا محمولين ومرشدين بروح الكتاب المقدس الواحد.
أخيراً أتقدم بالشكر لقداسة البابا شنودة الثالث الذى أذن لى ورحب بالبدء فى البحث ونشر موضوع الكيستولوجى (عقيدتنا فى المسيح) ولنيافة الأنبا مرقس أسقف عام القليوبية (أسقف شبرا الخيمة وتوابعها حالياً) الذى يتم هذا البحث تحت إشراف نيافته ورعايته والقمص تادرس شحاته
وفى النهاية أقدم هذا الكتاب لكل من يريد أن يعرف المسيح أكثر وأعمق ليكون شعارنا جميعاً "لا أنا بل المسيح".
2 برمودة 1704
10 أبريل 1988
القس
عبد المسيح بسيط أبو الخير
1- الإله المتجسد
نؤمن حسب ما جاء فى الكتاب المقدس وما نقله التقليد وما أقرته المجامع المسكونية –من خلال الكتاب المقدس- ان السيد المسيح هو كلمة الله الإله القدير، العظيم الوحيد، الحى القيوم، السرمدى وقد شاْت إرادته الإلهية أن يتجسد ويأخذ صورة الإنسان لكى يظهر للناس ويقوم بفداء البشرية عن طريق تقديم ذاته على الصليب، كذبيحة أثم ليرفع عن البشرية إثمها ويقيمها من سقطتها ويجلسها معه فى السماويات:
v "لانه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام(1)"
v و "منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد إلهنا ومخلصنا العظيم يسوع المسيح. الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً[*1]"(2).
v "هوذا العذراء تحبل وتلد أبناً وتدعوا اسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا"(3).
v وهكذا فى الوقت الذى حددته المشورة الالهية، فى ملء الزمان، تجسد، اتخذ جسداً وصار بشراً وحل بين الناس وعاش بينهم كواحد منهم.
v "ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة"(4).
v "والكلمة صار (اتخذ) جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً"(5).
وصار مرئياً من كل الخلائق، البشر والملائكة ما يرى وما لا يرى:
v "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد تبرر فى الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أو من به فى العالم رفع فى المجد"(6).
v "الذى كان من البدء الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة"(7).
وقد اتخذ جسداً مثل أجسادنا ولكن بلا خطية جاء "فى شبه جسد الخطية"(8) أو كما نقول فى القداس الإلهى "شابهنا فى كل شىء ما خلا الخطية وحدها". اتخذ جسدآ من لحم ودم وعظام:
v "جسونى وأنظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لى"(9).
v "إذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو كذلك فيهما… من ثم كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شىء"(10).
وكما كان له لحم ودم وعظام هكذا أيضاً كان له روح إنسانيه, إذ إتخذ الطبيعة البشرية الكاملة:
v "فللوقت شعر يسوع بروحه"(11).
v "يا أبتاه فى يديك أستودع روحى"(12).
v "فصرخ بصوت عظيم وأسلم الروح"(13).
قال القديس كيرلس الكبير (عمود الدين) (أنتقل سنة 444م):
v "هو إله بالحقيقة ومجده أسمى من مجد العالم كله لأنه بالطبيعة إله, فهو كلمة الله الآب الذى تجسد وصار إنساناً كاملاً. ونحن نؤمن أن الجسد الذى إتحد به, فيه نفس عاقلة, ولهذا فالإتحاد حقيقى وكامل"(14).
قال القديس ديديموس الضرير (309 – 396م):
"ظهر ناسوته لنا فى كل شىء, فيما عدا الخطية.. ولم يكن جسده بغير نفس… أن نفس يسوع… عاقله ومطابعه لنفوس الناس ( أو من ذات جوهرها)و كما أن جسده الخارج من مريم كان مطابعاً لأجساد الناس (أو من ذات جوهرها)(15).
قال القديس أثناسيوس الرسولى (296 – 373م):
"والآن علينا أن نشرح ما هو معنى الكلمات" "الكلمة صار جسداً"؟ إنه لا يعنى أن الكلمة لم يعد الكلمة, وإنما يعنى أن الكلمة هو دائماً الكلمة حتى عندما إتخذ لذاته جسداً وفيه قبل الآلام والموت أى فى صورة البشرية… وأعلن بذلك أن له لحماً وعظاماً ونفساً بإعلان جسده الذى لم ينفصل عنه والذى أخذه كما هو مكتوب "من نسل داود"(16).
وأيضاً "وهكذا فإن المولود من مريم هو بشرى بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية. وأن جسده هو جسد حقيقى، لأنه من نفس جسدنا، حيث أن مريم هى أختنا"(17).
إتخذ الطبيعة الإنسانية الكاملة، ضم إلى لاهوته الكامل الإنسانية الكاملة، فقد كان كاملاً فى لاهوته كما كان كاملاً فى ناسوته:
"الذى فيه يحل كل ملء الاهوت جسدياً"(18).
قبل التجسد هو الله الكلمة وبالتجسد لم يتغير أو يتحول عن طبيعته ولكنه إتخذ جسداً، ضم إلى ذاته الناسوت الكامل. وهذا لا يعنى أن الاهوت والناسوت كانا منفصلين ثم أتحدا، كلا وحاشا! وإنما كان الاهوت ولم يكن الناسوت، وعندما وجد الناسوت بحلول الروح القدس على مريم العذراء، وجد متحداً بالاهوت، فقد بدأ فى بطن العذراء ونما وهو متحد بالاهوت ولم يوجد لحظة واحدة بعيداً عن الاهوت "القدوس المولود منك"(19) وهذا يفسر لنا كيف سجد له يوحنا المعمدان وهو جنين فى بطن أمه(20)، بل وفى الشهر الأول للحبل به، فقد كان هذا الجنين ليس مجرد إنسان ولكن كان "القدوس " "الخالق" سجد المعمدان المخلوق للخالق المتجسد. كان الاهوت المتحد بالناسوت، أو الناسوت الذى فيه يحل كل ملء الاهوت:
"وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء"(21).
طبيعة واحدة متحدة من طبيعتين فهو الإله المتجسد، أقنوم واحد وطبيعة واحده لها خصائص الاهوت والناسوت، طبيعة من طبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير: "أومن أومن وأعترف إلى النفس الأخير أن هذا الجسد المحيى قد أخذه ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، من سيدتنا وملكتنا كلنا والدة الإله القديسة مريم، وجعله واحدا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير… أومن أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين"(22).
v قال قداسة البابا شنوده الثالث فى حوار مع أحد الكهنة السريان:
"السيد المسيح كامل فى لاهوته وكامل فى ناسةته، ولاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، نحن من جهة الطبيعة الواحده بعد اتحاد الطبيعتين فى السيدة العذراء وولادة السيد المسيح لا نعود نتكلم عن طبيعتين إنما نتكلم بإستمرار عن طبيعة واحده الطبيعة الواحده التى نقصدها هى طبيعة الإله المتجسد فالطبيعة الواحده ليست هى الاهوت ولا هى الناسوت، وإنما هى الاهوت والناسوت متحدان معاً فى طبيعة واحده نسميها طبيعة الإله المتأنس كعبارة القديس كيرلس الكبير الذى قال "طبيعة واحده للإله الكلمة المتجسد"(23).
وقال القديس كيرلس الكبير:
"نحن نقرن الطبيعتين بالإتحاد ونعترف بمسيح واحد وإبن واحد ورب واحد أخيراً نقول إنها طبيعة واحده لابن الله المتجسد... ذلك الإتحاد هو إتحاد الجسد ذى النفس العاقلة مع الكلمة".
وقال القديس أثناسيوس الرسولى:
"نعترف بإبن الله المولود من الآب خاصياً أزلياً قبل كل الدهور وولد من العذراء بالجسد فى آخر الزمان من أجل خلاصنا... طبيعة واحده لله الكلمة المتجسد ونسجد له مع جسده"(25).
وقال أيضاً: فالخاصية التى تميز الإيمان بالمسيح هى هذه:
"إن ابن الله هو كلمة الله" فى البدء كان الكلمة" وهو حكمة الآب وقوته "لأن المسيح هو قوة الله وحكمة الله" هذا الذى صار إنساناً فى آخر الدهور لأجل خلاصنا.. "والكلمة صار جسداً" هذا القول يعنى أنه صار إنساناً. والرب أيضاً يقول عن نفسه "لماذا تطلبون أن تقتلونى وأنا الإنسان الذى قد كلمكم بالحق" وبولس الذى تعلم من اعتاد أن يقول "إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" فالإنسان الذى كون الأنسان الذى كون الأجناس البشرية ودبرها، وأباد الموت وأبطله عنا. يجلس الآنسان عن يمين الآب وهو كائن فى الآب كائن فيه، كما كان دائماً وسيكون إلى الأبد"(26).
وهكذا نؤمن أن المسيح هو كلمة الله، الإله السرمدى المالىء الكل والذى فوق الزمان والمكان، اتخذ جسداً وصار بشراً فى ملء الزمان ودعى إنساناً وابن إنسان وهو الإله القدير وصار يحمل فى طبيعته وأقنومه صفات وخصائص الاهوت وصفات الناسوت فقد صنع القوات وسجد له وتكلم عن نزوله من السماء وكونه واحداً مع الآب وأنه موجود فى كل مكان وزمان وأنه الديان وأنه ابن الله والله بلاهوته، كما جاع وتعب وعطش ونام وأكل وشرب وتألم ومات بناسوته إذ كان "مجرباً مثلنا فى كل شىء بلا خطية"(27) ومع ذلك فقد كان شخصاً واحداً أقنوماً واحداً وطبيعة واحدة.هو نفسه الذى جاع والذى أشبع خمسة آلاف رجل عدا النساء والأطفال بخمسة أرغفة وسمكتين، وهو نفسه الذى نام فى السفينة والذى قام وإنتهر الرياح والمواج فصار هدوء عظيم(28) . وهكذا أيضاً كان يتكلم عن نفسه كإنسان وكإله فى آن واحد، كان يتكلم عن نفسه كأبن الإنسان ولكن الموجود فى كل مكان، كما كان يتكلم عن نفسه كالإله القدير ولكن الذى بذل نفسه لأجل الخطاة، وكذلك يتكلم الكتاب عنه:
"وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء"(29).
"هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد"(30).
"الذى نزل هو الذى صعد أيضاً فوق جميع السموات لكى يملأ الكل"(31).
"لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد"(32).
"كنيسة الله التى أقتناها (اشتراها) بدمه"(33).
كما دعى ابن داود ورب داود بالجسد ورب داود بالاهوت:
"أنا أصل وذرية داود كوكب الصبح المنير"(34).
"ومنهم (اليهود) المسيح حسب الجسد الكائن على الكل الله المبارك إلى الأبد"(35).
"لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً... ويدعى اسمه... الإله القدير الآب الأبدى"(36).
كانت له خصائص وصفات الاهوت وخصائص وصفات الناسوت وهو المسيح الواحد والرب الواحد، طبيعة واحده وأقنوم واحد.
قال القديس ديسقورس (أنتقل 457م):
"إننى أعرف تماماً إذ نشأت فى الإيمان أن الرب من الآب بكونه الله، هو بنفسه مولود من مريم كإنسان، أنظره يسير على الأرض كإنسان، وخالق الطغمات السمائية كإله، نراه نائماً فى السفينة كإنسان وسائراً على البحر بكونه الله، تراه جائعاً كإنسان ويهب الطعام كإله، عطشاناً كإنسان ويروى الظمآن بكونه الله، تجده مجرباً كإنسان ويخرج الشياطين بكونه الله، وهكذا فى أمور كثيرة مشابهة"(37).
2-حتمية الألم والصليب
يقول الرسول بولس بالوحى لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس. ليفتدى الذين تحت الناموس"(1) وقال أيضاً: "إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم"(2).
وقال السيد المسيح نفسه:
العالم، إذ رأت المشورة الإلهية أن الإنسان الذى سيخلق سوف يخطىء ولا خلاص له من عقوبة الخطية إلا بالتجسد الإلهى وإحتمال الألم والموت نيابة عنه لأنه "معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله".(7) وهكذا عندما رأه يوحنا المعمدان فى بداية خدمته صرخ قائلأ: "هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم"(8).
والقديس بطرس يقول لرؤساء اليهود:
"هذا (يسوع المسيح) أخذتموه مسلما بمشورة الله وعلمه السابق وبأيدى آثمة صلبتموه وقتلتموه"(9).
إنه يقول لهم على الرغم من أنكم قد صلبتم المسيح وقتلتموه بأيديكم الأثيمة إلا أنكم لم تفعلوا سوى ما قررته المشورة الإلهية التى حتمت هذا بحسب علم الله السابق. وهذا ماقاله السيد المسيح نفسه ليهوذا:
"إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ولكن وبل لذلك الرجل الذى به يسلم ابن الإنسان"(10).
وقال القديس بطرس الرسول: "دم المسيح. معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم",
1- التدبير الأزلى:
وقد استخدم آباء الكنيسة منذ البدء تعبير "التدبير" للإشارة إلى خطة الفداء الأزلية بدم المسيح وللإشارة إلى "تدبير الفداء" الأزلى. وقد ورد تعبير التدبير مرتين فى الرسالة إلى أفسس:
"تدبير ملء الأزمنة"(12).
"تدبير السر المكتوم"(13).
وذلك للتعبير عن تدبير الله الأزلى للفداء والخلاص الذى تم بآلام المسيح وسفك دمه وموته على الصليب. كما استخدم هذا التعبير القديس أغناطيوس الأنطاكى تلميذ بطرس الرسول:
"لأن إلهنا يسوع المسيح قد حبلت به مريم بحسب تدبير الله... ولد وأعتمد ليطهر الماء بألامه"(14).
"التدبير الذى بدأت بالكلام عنه والخاص بالإنسان الجديد يسوع المسيح، القائم على الإيمان ومحبته وآلامه وقيامته"(15).
قال القديس كيرلس الاسكندرى تعليقاً على قول السيد المسيح لتلاميذه:
"أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلاً: "حاشاك يارب. لا يكون لك هذا"(16).
"تذكروا كيف لم يحتمل بطرس نبؤة المسيح عندما سبق وأخبره بموته على الصليب... ولم يفهم التلميذ طريق الله السرى فى التدبير"(17).
وقال أيضاً: ولكنه بعد أن أكمل تدبير فدائنا واحتمل الموت على الصليب وقام حياً وأعلن أن طبيعته اسمى من الموت"(18).
وهذا التدبير هو ما أعلنه الكتاب بصورة شاملة فى قوله:
"الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون مساوياًلله لكنه أخلى نفسه أخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس وإذ وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت وموت الصليب"(19).
وقوله أيضاً:
"فكم بالحرى يكون دم المسيح الذى بروح أزلى قدم نفسه لله بلا عيب... فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مراراً كثيرة منذ تأسيس العالم ولكنه الآن قد أظهر مرة عند أنقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه"(20).
2-حتمية الألم والخلاص:
إن ألم المسيح وموته حسب تعبير الكتاب "أمر محتوم" "أمر حتمى" "كان ينبغى" "كان يجب" كن محتوماً ومقرراً فى خطة الله الأزلية للفداء "قبل تأسيس العالم" "معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم".
والسيد المسيح لم يخف هذه الحقيقة منذ بداية خدمته الجهارية عن تلاميذه، بل علم بها أمام اليهود مراراً، كما أعلنها الوحى الإلهى المقدس للسيدة العذراء مريم عند ختان المسيح فى طفولته فى قول سمعان الشيخ لها "وأنت أيضاً يجوزفى نفسك سيف"(21).
ظل السيد المسيح يعلن هذه الحقيقة التى لا مفر منها حوالى ثلاث سنوات وثلث مدة خدمته الجهارية على الأرض، كما عاد وأوضحها لهم تفصيلاً بعد القيامة.
وهذه أهم إعلانات السيد المسيح عن آلامه وموته على الصليب وقيامته:
1- فى بداية خدمته وعند تطهيره للهيكل للمرة الأولى، طلب منه اليهود أن يعطيهم آية تبرهن على سلطانه وكانت آيته لهم:
"أنقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه" وكان هو يقصد ليس الهيكل الذى يصلى فيه اليهود إنما هيكل جسده. ولكن اليهود لم يفهموا مغزى قوله وحتي تلاميذه لم يفهموا ذلك إلا بعد قيامته من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذى قاله يسوع"(22).
2-وعندما كان يعلم نيقوديموس عن حقيقة الولادة الجديدة وكيفيتها وسر الفداء أعلن آلامه وبذله ذاته بالموت على الصليب لإتمام الفداء بصورة رمزية قائلاً:
"وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع ابن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية"(23).
ووجه الشبه بين الحية النحاسية وصلب المسيح (تعلقه على الصليب) هو أن الذين نظروا إلى الحية النحاسية من الذين لدغتهم الحيات شفوا، والخطاه الذين ينظرون إلى المسيح المصلوب ويؤمنون به تغفر لهم خطاياهم بجراحاته وآلامه ودمه ويشفوا من لدغة إبليس "الحية القديمة"(24).
"لأنه هو سلامنا الذى جعل الإثنين واحد ونقض حائط السياج المتوسط أى العداوة ومبطلاً بجسده ناموس الوصايا... ويصالح الإثنين فى جسد واحد مع الله بالصليب قائلاً العداوة به"(25).
3- بعد أن شفى المجنون الأعمى والأخرس، قال له الكتبة والفريسيون:
"يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبى. لأنه كما كان يونان فى بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان فى بطن الإرض ثلاثة أيام وثلاثة ليال"(26).
أراد منه اليهود آية أو معجزة ليبرهن بها على سلطانه الإلهى. فكانت آيته لهم هى آلامه وموته ودفنه فى القبر ثلاثة أيام ثم قيامته من الموت فى اليوم الثالث. ولم تكن هذه آية لعصرهم فقط بل كانت آية لكل جيل وعصر.
4- بعد أن أشبع خمسة آلاف رجل ومن كان معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتين، أرادوا أن يجعلوه ملكاً،فقال لهم:
"أنا هو خبز الحياة" "أنا هو الخبز الذى نزل من السماء إن أكل أحد هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى ابذله من أجل حياة العالم" ثم أضاف "الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه"(27) والإشارة واضحة فى أقواله هذه إلى آلامه وسفك دمه وتقديم جسده على الصليب.
5- بعد أن أعلن بطرس الرسول، بالروح القدس، عن حقيقة لاهوت المسيح فى قيصرية فيلبس: "أنت المسيح ابن الله الحى"(28). كان يتملك التلاميذ أعتقاداً بأن المسيح سيبقى إلى الأبد ولن يموت كما كان يعتقد اليهود(*). يقول الكتاب:
"من ذلك الوقت ابتداء يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم" ولما أرتاع بطرس من هذا الكلام الخطير قال منتهراً "حاشاك يارب" فقال له السيد المسيح "أذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس"(29).
6- بعد أن تجلى السيد على الجبل وكشف عن حقيقة لاهوته بصورة ملموسة، بصورة عملية مرئية، ظهر معه موسى وإيليا يتكلمان معه وكان الحديث بينه وبينهما عن خروجه المق