|
|

الفصل السابع
كيف قُبلت الأناجيل القانونية
ولماذا رُفضت الكتب الأبوكريفية؟
يدعي نقاد المسيحية، بدون سند أو دليل، وبناء على مجرد افتراضات مسبقة مبنية على فكرهم الخاص وعقائدهم الدينية التي لا تتفق مع المسيحية في عقائدها الجوهرية، أن الكنيسة الأولى كانت تمتلك عشرات الأناجيل والأسفار المقدسة، وقد رفضتها جميعاً، ولم تبق منها إلا على أربعة فقط، هي التي كانت تتلاءم مع أفكارها وعقائدها التي تقررت في مجمع نيقية!!
ومن هؤلاء دان براون، ومن على شاكلته، فلكي يعطي، بروان، مصداقية لنظرياته الملفقة، التي لا علاقة لها بالإنجيل ولا بفكر هراطقة القرون الأولى ولا بالتاريخ عموماً، راح يلفق التهم للإنجيل دون وعي أو فهم أو دراسة، كعادة كل الذين يهاجمون الكتاب المقدس من كل لون وفي كل زمان، قال في الفصل الخامس والخمسين من ص 234 إلى 244 ما يلي:
" إن الكتاب المقدس هو نتاج إنسان, يا عزيزتي. وليس من الله. وهو لم يهبط بشكل خارق من الغيوم. فقد ألفه الإنسان لتسجيل الأحداث التاريخية لأزمنة مضطربة, وقد تطور من خلال ترجمات وإضافات ومراجعات لا حصر لها. ولا يملك التاريخ نسخة محددة للكتاب 000 كان يسوع المسيح شخصية تاريخية ذات تأثير مذهل, قد يكون أكثر قائد غامض وملهم عرفه العالم, وكالمسيا المتنبأ عنه، فقد اسقط يسوع ملوكاً وألهم الملايين, وابتكر فلسفات جديدة, وكان يمتلك حقاً شرعياً للمطالبة بعرش ملك اليهود حيث أنه كان ينحدر من سلالة الملك سليمان والملك داوود, وبسبب ذلك كله, تم تسجيل حياته بيد الآلاف من أتباعه عبر كل الأرض 000 كان هناك أكثر من ثمانين إنجيلاً تأخذ في الاعتبار للعهد الجديد, إلا أن القليل منها فقط تم اختياره في النهاية وهي انجيل متي
- 121 -
ومرقس ولوقا ويوحنا "!!
" من الذي قرر أي أنجيل يتم اختياره؟ 000 السخرية الجوهرية في المسيحية! فالكتاب المقدس كما نعرفه اليوم, كان قد جمع على يد الإمبراطور الوثني قسطنطين العظيم 000 الذي كان وثنياً طوال حياته وتم تعميده وهو علي سرير الموت, حيث كان اضعف من أن يقاوم "!!
" فقد كانت هناك الآلاف من الوثائق التي قد سجلت حياته (المسيح) علي أنها حياة إنسان مائت. ولكي يعيد كتابة كتب التاريخ، عرف قسطنطين أنه بحاجة لعمل جريء، ومن هنا انبثقت أعمق لحظة في تاريخ المسيحية 000 فقد فوض قسطنطين بكتاب مقدس جديد وقام بتمويله. وحذف الأناجيل التي تحدثت عن المسيح كإنسان وزين تلك التي أظهرت المسيح بصفات إلهية. وحرمت الأناجيل الأولي وتم جمعها وحرقها 000 وكان كل من يفضل الأناجيل الممنوعة على نسخة قسطنطين, يتهم بالهرطقة وكلمة مهرطق تعود إلى تلك اللحظة التاريخية. وان الكلمة اللاتينية هيرتيكوس (haereticus) تعني " الاختيار ". لذا فإن أولئك الذين " اختاروا " التاريخ الأصلي للمسيح كانوا أول هراطقة العالم "!!
ومثل هذا الرجل، الذي سنوضح أكاذيبه وتلفيقاته، في الصفحات التالية، هناك العديدون ممن يفكرون بطريقته، فقط لمحاولة الإيهام بصحة ما يفترضونه مسبقا"!! فيقول أحدهم، جامعاً لمعظم مزاعم غالبية من يقولون بهذه الأفكار:
" والحقيقة أن معظم الدراسين يؤكدون وجود عدد كبير من الأناجيل كتبها أتباع او حواريو المسيح ورغم وجود هذا العدد الكبير من النصوص ذات الأهمية التاريخية والقداسة فان الكنيسة اعتمدت أربعة فقط من هذه الأناجيل كتبها متى ومرقص ولوقا ويوحنا تمثل فيما بينها ما اصطلح على تسميته " العهد الجديد " والأعجب أن الإنجيل كما نعرفه اليوم تم جمعه على يد الإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين العظيم الذي اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت، ومنحها الاعتراف الرسمي في الإمبراطورية الرومانية، وفى هذه الأيام الأولى لتشكيل المسيحية في صورتها الرسمية تم اقتراح فكرة المسيح ابن الرب والتصويت عليها بين أعضاء المجلس النيقاوي لتسود فكرة ألوهية
- 122 -
المسيح وان أتباعه لا يمكنهم التحرر من خطاياهم إلا عبر طريق وحيد يمر بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية ".
والحقيقة أننا لا نعرف ما الذي يجعله يجزم ويقول قوله الغريب هذا وخاصة قوله: " والحقيقة أن معظم الدراسين يؤكدون وجود عدد كبير من الأناجيل كتبها أتباع أو حواريو المسيح "!! فمن هم معظم الدارسين الذين يتكلم عنهم؟!
وهنا، وقبل الدخول في التفاصيل لنا عدة ملاحظات وأسئلة هي:
(1) هل الإنجيل ( العهد الجديد) نتاج بشري أم كلمة الله المعطاة بروحه القدوس؟
(2) هل تطور من خلال إضافات وترجمات لا حصر لها؟
(3) هل لا يملك التاريخ نسخة واحدة صحيحة للإنجيل؟
(4) هل كان هناك أكثر من ثمانين إنجيلا حرمتها الكنيسة؟
(5) من الذي قرر قانونية أسفار العهد الجديد، وفي أي مجمع؟
(6) من الذي حرم الكتب المرفوضة والمعروفة الأبوكريفية وفي أي مجمع؟
(7) وهل تكلمت عن قصة الكأس المقدسة الحقيقة أو حتى غيرها؟
(89) وهل تكلمت مخطوطات قمران أصلاً عن خدمة المسيح أو عن الكأس؟
(9) هل كان للفاتيكان أي دور في كل ذلك؟
(10) هل كانت هذه الكتب، أصلا، مدرجة على جدول أعمال مجمع نيقية؟
1 – وحي أسفار العهد الجديد وقانونيتها:
هؤلاء النقاد، من كل لون، بفروضهم المسبقة المبنية على أفكارهم وعقائدهم الخاصة، يتكلمون فيما لا يعلمون، أو يتجاهلون الحقائق الواضحة بسبب ما يعتقدون!! ونقول لهم جميعاً أن الكنيسة مؤسسة على تسليم رسولي غير منقطع، بل ومنظم، من خلال الرب يسوع المسيح نفسه، كلمة الله النازل من السماء، فالرب يسوع المسيح قد أختار تلاميذه الأثنى عشر وسماهم رسلاً وتلمذهم على يديه ليكونوا شهودا له ولأعماله وأقواله وليحملوا
- 123 -
رسالته (الإنجيل) لجميع الأمم، ككلمة الله المتجسد. وقال لهم " أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم. لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي " (يو16:15). وتلمذهم على يديه حوالي ثلاث سنوات ونصف عاشوا فيها معه وتعايشوا معه بصورة كاملة، فقد تركوا كل شيء وتبعوه " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك " (مت19: 27؛مر10:28؛لو18:28)، أكلوا معه وشربوا، دخلوا معه وخرجوا، وكان هو، وليس سواه، ورأوا كل أعماله بعيونهم وسمعوا كل ما قال وعلم ولمسوه بأيديهم. وكشف لهم أسرار ملكوت السموات " وقال لهم لأنه قد أعطي لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات " (11:13)، وكشف لهم عن حقيقة ذاته باعتباره ابن الله الحي، الابن الوحيد الذي في حضن الآب، وتجلى لهم بمجد على الجبل، وكشف لهم كل ما سيحدث له من آلام وصلب وقيامة وحتى صعوده.
ولأعدادهم لهذه المهمة الإلهية السامية، مهمة نشر إنجيل الملكوت، زودهم بالسلطان الرسولي وفسر لهم كل ما تنبأ به عنه جميع أنبياء العهد القديم ووعدهم بالروح القدس ليحل عليهم ويسكن فيهم فيقودهم ويذكرهم بكل ما عمله وعلمه الرب ويعلمهم أمورا جديدة، ويرشدهم للحق. فقد كان الرسل هم شهود العيان الذين سمعوه ورأوه ولمسوه وكان معهم شاهدان آخران هما نبوات العهد القديم والروح القدس الذي يشهد فيهم وبهم ومن خلالهم:
وبعد حلول الروح القدس عليهم حمل تلاميذ المسيح ورسله الإنجيل، البشارة السارة والخبر المفرح للعالم كله وكان الروح القدس يعمل فيهم وبهم ويوجههم ويقودهم ويرشدهم ويتكلم على لسانهم وبفمهم. وهكذا كرز التلاميذ وبشروا بالإنجيل للمسكونة كلها يقودهم الروح القدس. وكانوا خير شهود له " فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك " (أع32:2) ، " ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك " (أع15:3)، " ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضا الذي أعطاه الله للذين يطيعونه " (أع32:5)، " ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم. الذي أيضا قتلوه معلقين إياه على خشبة " (أع39:10). أو كما يقول القديس يوحنا: " الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة
- 124 -
الحياة. فان الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح 000 ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملا " (1يو1:1-4)، وكما يشهد القديس بطرس قائلاً " لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته. لأنه اخذ من الله الآب كرامة ومجدا إذ اقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس " (2بط16:1-18).
كان الرسل هم المستودع الأمين لكل ما عمله وعلمه الرب يسوع المسيح ومن ثم فقد تساوت وصاياهم وتعاليمهم، التي نطقوها بالروح القدس، مع تعاليم أنبياء العهد القديم ومع وصايا الرب نفسه، التي تسلموها منه، وصارت وصيتهم هي وصية الرب وتعاليمهم هي تعاليمه؛ يقول القديس بطرس بالروح " لتذكروا الأقوال التي قالها سابقا الأنبياء والقديسون ووصيتنا نحن الرسل وصية الرب والمخلص " (2بط2:3)، ويقول القديس يهوذا الرسول " أخو يعقوب " (أع1: 17)، " وأما أنتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقاً رسل ربنا يسوع المسيح " (يه 17).
وقد سلم الرسل لأعضاء الكنيسة، وبصفة خاصة القادة، ما تسلموه هم من الرب ونفذوا وصيته التي أوصاهم بها قبل صعوده مباشرة. وكان الروح القدس يحفظ الكلمة سواء بالنسبة للرسل أو لمن سلموهم الأخبار السارة والذين كانوا بدورهم يسلمونها لآخرين أكفاء " وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا " (2تي2:2). وكان الرسول بولس يمتدح أهل كورنثوس لحفظهم وحفاظهم على ما تسلموه " فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شئ وتحفظون التعاليم كما سلمتها إليكم " (1كو2:11)، ويشكر الله من أجل أهل روما لإطاعتهم التسليم الرسولي من القلب " فشكراً لله أنكم كنتم عبيداً للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها " (رو17:6)، ويقول لأهل تسالونيكى " فأثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتقليد الذي تعلمتموه سواء بالكلام أم برسالتنا " (2تس15:2)، ويقول القديس لوقا الإنجيلي بالروح
- 125 -
أن ما سلمه الرسل للكنيسة كان مؤكداً عندهم " الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا من البدء معاينين (شهود عيان) وخداماً للكلمة " (لو1:1و2).
ويقول القديس أغناطيوس الإنطاكي تلميذ بطرس الرسول " أثبتوا إذاً على تعاليم الرب والرسل "(1).
" ثابروا على الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح وبالأسقف وبوصايا الرسل " (2).
ويقول أكليمندس الروماني تلميذ بولس الرسول والذي يقول عنه القديس إريناؤس أنه " رأى الرسل القديسين وتشاور معهم "(3)؛ " من أجلنا استلم الرسل الإنجيل من الرب يسوع المسيح ويسوع المسيح أرسل من الله (الآب) "(4).
ويقول بوليكاربوس الذي رافق الرسل خاصة القديس يوحنا الحبيب " فلنخدمه (المسيح) بخوف وتقوى كما يأمرنا هو والرسل الذين بشرونا بالإنجيل والأنبياء الذين أعلنوا لنا عن مجيء الرب "(5).
ويقول القديس إريناؤس أسقف ليون (120-202م) " إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة وفيرة، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة "(6).
هؤلاء المسيحيون الأولون حفظوا ما سمعوه بآذانهم وما شاهدوا بأعينهم وما سلمه لهم الرسل، فقد صاروا لهم تلاميذاً، وحافظوا عليه حتى الموت وكان الروح القدس يعمل فيهم وأيضا بهم. وكانوا كيهود سابقين مدربين على حفظ كلمة الله وحفظ تقليد آبائهم حيث أنهم اعتادوا على ذلك جيداً. وقد برهنت الدراسات التي قام بها أحد العلماء ويدعى جيرهارديسون B. Gerhardsson (1961م) على أن معلمي اليهودية، الربيين " كانوا يعلمون تلاميذهم ويحفظونهم تقاليد اليهودية في قوالب وأشكال معينة ومفردات تحفظ عن ظهر قلب، وأنه كانت لديهم وسائل وطرق متعددة للمساعدة على الحفظ وتقوية الذاكرة. هذه الوسائل التعليمية التي اتبعوها جعلتهم يحفظون التقليد لمئات السنين شفوياً قبل أن يوضع في شكل مكتوب. ولأن تلاميذ المسيح ورسله كانوا من اليهود وكان معظم معلمي المسيحية الأولين من اليهود وكان بعضهم تلاميذاً ليوحنا المعمدان وكان بعضهم من الربيين أيضا، ولذا فمن الطبيعي أن يستخدموا نفس الوسائل السائدة بينهم في التعليم المسيحي ونقل التسليم الرسولي، الإنجيل، شفاهة ".
وكان التقليد أو التسليم الرسولي المسيحي، الإنجيل، أسهل بكثير في حفظه شفوياً من التقليد اليهودي، فقد كان شخص المسيح الحي الصاعد إلى السماء، أعماله وأقواله وحياته أثناء التجسد، هو هدف ومحور وجوهر وغاية الإنجيل، وكان الروح القدس يعمل في الرسل شهود العيان الأحياء، فكان التعليم المسيحي تعليماً حياً يقوم على شخص حي ورسل أحياء ومؤمنين شهود عيان للرب الحي والإنجيل الحي، وذلك بعكس التعليم اليهودي الذي اعتمد على تحفيظ آيات التوراة وتقليد الآباء.
وقد برهنت الدراسات أيضاً على أنه كان هناك بعض المذكرات الصغيرة والملحوظات المكتوبة التي استخدمت في حفظ أقوال الرب وأعماله كالموعظة على الجبل والنبوّات التي تنبأ بها أنبياء العهد القديم وفسرها هو بنفسه لتلاميذه، وبعض أعماله ومعجزاته، ويشير القديس لوقا لمثل هذه الوثائق بقوله: " لأن كثيراً من الناس أخذوا يدونون رواية الأحداث التي جرت بيننا كما سلمها الذين كانوا من البدء شهود عيان للكلمة " (لو1:1). هذه الملحوظات المكتوبة قد يرجع بعضها إلى ما قبل الصلب والقيامة.
وقد ساعدت أساليب الحفظ والوثائق (المذكرات) المكتوبة على حفظ الإنجيل الشفوي ووصوله إلى درجة كبيرة من الثبات قبل تدوين الإنجيل المكتوب بفترة طويلة. فقد كان التسليم الشفوي المحفوظ بعمل الروح القدس دقيق جداً والاعتناء بحفظه يفوق الوصف وكان للمذكرات المكتوبة قيمة عظمى سواء قبل تدوين الإنجيل أو عند التدوين.
يقول القديس أكليمندس الإسكندري (150 - 215) المعروف بخليفة خلفاء الرسل والذي حفظ عنهم التقليد، والذي يقول عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنه كان
- 127 -
" متمرساً في الأسفار المقدسة "(7): " وقد حافظ هؤلاء الأشخاص على التقليد الحقيقي للتعليم المبارك، المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا وبولس، إذ كان الابن يتسلمه عن أبيه 000 حتى وصل إلينا بإرادة الله لنحافظ على هذه البذار الرسولية "(8).
2 – تدوين الإنجيل وقبوله ككلمة الله منذ لحظة استلامه من الرسل:
ومع امتداد ملكوت الله وانتشار المسيحية في دول عديدة ومدن كثيرة وقرى لا حصر لها سواء بواسطة الرسل أو بواسطة تلاميذهم مع انتشار اجتماعات العبادة الأسبوعية والليتورجية والتي وجدت حيثما وجد المسيحيون، وذلك فضلاً عن رحيل الرسل شهود العيان من هذا العالم إلى العالم الآخر، ظهرت الحاجة للإنجيل المكتوب ليكون المرجع الباقي والدائم والثابت للمؤمنين في كل مكان وزمان إلى المجيء الثاني، أي أن ضرورة تدوين الإنجيل كانت حتمية. ومن هنا طلب المؤمنون من الرسل أن يدونوا لهم ما نادى لهم به معلموهم وما حفظوه شفوياً:
يقول أكليمندس الإسكندري: " لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً في روما. وأعلن الإنجيل بالروح طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتاً طويلاً وكان يتذكرها. وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه ".
وتقول الوثيقة الموراتورية التي ترجع لسنة 170م: " الإنجيل الرابع هو بواسطة يوحنا أحد التلاميذ, إذ عندما توسل إليه زملاؤه (التلاميذ) والأساقفة في ذلك قال: صوموا معي ثلاثة أيام ونحن نتفاوض مع بعضنا بكل ما يوحي الله به إلينا. ففي هذه الليلة عينها أعلن لأندراوس أحد الرسل أن يوحنا عليه أن يكتب كل شيء تحت اسمه والكل يصدق على ذلك ".
وقد دونت معظم أسفار العهد الجديد قبل سنة 70 ميلادية عندما كان معظم تلاميذ المسيح ورسله أحياء وقبلت الكنيسة هذه الأسفار فور تدوينها واستخدمها الرسل في
كرازتهم كالإنجيل المكتوب، فقد كتبت بناء على طلب المؤمنين الذين تسلموها من الرسل، الذين سبق أن سلموها لهم شفوياً، كتبت بناء على طلبهم وتحت سمعهم وبصرهم وكانوا من قبل يحفظونها شفوياً، فقد دونت بالروح القدس لهم وأمامهم وبمعرفتهم ومن ثم قبلوها بكل قداسة ووقار ككلمة الله الموحى بها من الروح القدس. وكان الرسل أنفسهم يقبلون ما يكتبه أحدهم بالروح القدس، واثقين بالروح القدس الذي فيهم، أنها كلمة الله التي سبق أن تسلموها من سيدهم وتكلموا بها مسوقين من الروح القدس كما وعدهم، ودونوها أيضاً بالروح القدس. وعلى سبيل المثال فقد أقتبس القديس بولس من الإنجيل للقديس لوقا، كسفر مقدس وموحى به، ومن سفر التثنية بصيغة واحدة هي " لأن الكتاب يقول " والتي تعنى الكتاب المقدس " لأن الكتاب يقول لا تكم ثوراً دارساً (تث4:25) والفاعل مستحق أجرته " (لو7:10) " (1تى18:5). كما أشار القديس بطرس لوحي وانتشار كل رسائل القديس بولس فقال " واحسبوا أناة ربنا خلاصا كما كتب إليكم أخونا الحبيب بولس أيضا بحسب الحكمة المعطاة له كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه الأمور التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم " (2بط15:3،16). وأقتبس القديس يهوذا أخو يعقوب في رسالته من رسالة القديس بطرس الثانية (2بط2:3-3) بقوله " وأما انتم أيها الأحباء فاذكروا الأقوال التي قالها سابقا رسل ربنا يسوع المسيح. فإنهم قالوا لكم انه في الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون سالكين بحسب شهوات فجورهم " (يه18،19).
وكان هذا موقف الآباء الرسوليين، تلاميذ الرسل وخلفائهم الذين تسلموها منهم ككلمة الله واقتبسوا منها واستشهدوا بها ككلمة الله. فقد اقتبس القديس أكليمندس الروماني من الأناجيل الثلاثة الأولى واقتبس من الرسائل إلى أفسس والعبرانيين و1كورنثوس و1تيموثاؤس وتيطس، ورسالة يعقوب، كما يدل ما كتبه على معرفة واضحة بالإنجيل للقديس يوحنا، باعتبارها جميعاً كلمة الله المعطاة بالروح القدس. ثم يقول عن رسالة القديس بولس الرسول التي أُرسلت إليهم من قبل " انظروا إلى رسالة بولس الطوباوي. ماذا كتب لكم في بداية الكرازة بالإنجيل؟ في الواقع فقد كتب لكم بوحي من الروح القدس
رسالة تتعلق به وبكيفا (أي بطرس) وأبولوس ".
- 129 -
وأكد القديس أغناطيوس الإنطاكي على المساواة بين ما كتبه الرسل وبين أسفار العهد القديم باعتبارهما، كليهما، كلمة الله المكتوبة بالروح القدس وأسفار مقدسة وأستشهد فيها بما جاء في الإنجيل للقديس متى والإنجيل للقديس لوقا وسفر أعمال الرسل وما جاء في الرسائل إلى رومية و1كورنثوس وأفسس وكولولسى و1تسالونيكى، وكانت آيات الإنجيل للقديس يوحنا مؤثرة جداً على عقله وفكره وقلبه، ويبدو أنه كان السفر المفضل لديه. كما أشار لوحي كل رسائل القديس بولس الرسول وإيمان الكنيسة في عصره أنها كلمة الله فقال: " وقد اشتركتم في الأسرار مع القديس بولس الطاهر الشهيد المستحق كل بركة 000 الذي يذكركم في كل رسائله بالمسيح يسوع "(9).
واقتبس القديس بوليكاربوس 100 مرة من 17 سفراً من أسفار العهد الجديد؛ الأناجيل الثلاثة الأولى وسفر أعمال الرسل والرسائل إلى كورنثوس 1و2 وغلاطية وأفسس وفيلبى وتسالونيكى 1و2 وتيموثاؤس 1و2 والعبرانيين ورسالة بطرس الأولى ورسالة يوحنا الأولى. ومثل الآباء في عصره وفى فجر الكنيسة الباكر فقد أكد على وحي رسائل القديس بولس ككلمة الله الموحى بها فقال: " فلا أنا ولا أي إنسان آخر قادر على أن يصل إلى حكمة المبارك والممجد بولس الذي كان قائماً يعلم بين الذين عاشوا في تلك الأيام، وعلم الحق بدقة وثبات، وبعد رحيله ترك لكم رسائل إذا درستموها صرتم قادرين على أن تبنوا إيمانكم الذي تسلمتموه "(10). كما أقتبس في فقرة واحدة آيتين واحدة من سفر المزامير والأخرى من الرسالة إلى أفسس بقوله " كما قيل في الكتب المقدسة: أغضبوا ولا تخطئوا (مز5:4) لا تغرب الشمس على غيظكم (أف46:4) " حيث أكد لنا نظرة الكنيسة في عصره إلى كل منهما باعتباره سفر مقدس وكلمة الله.
وكانت تنسخ نسخاً من هذه الأسفار المقدسة وترسل للكنائس القريبة والمجاورة، وكانت كل كنيسة تحتفظ بالسفر الذي كتب لها أصلاً، سواء كان هذا السفر إنجيلاً من الأناجيل الأربعة أو رسالة من رسائل الرسل أو سفر الأعمال أو سفر الرؤيا، وتحتفظ بنسخ من الأسفار التي كتبت أو أرسلت للكنائس الأخرى. يقول القديس بولس في رسالته إلى كولوسى: " ومتى قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرا أيضا في كنيسة اللاودكيين والتي من لاودكية تقراونها انتم أيضا " (كو16:4).
وكانت تقرأ في اجتماعات العبادة الأسبوعية في الكنائس، خاصة في أيام الأحد، ويؤكد سفر الرؤيا على ترتيب الكنيسة وطقسها في قراءة الأسفار المقدسة في الاجتماعات والقداسات، وعلى حقيقة وحي السفر، فيقول " طوبى للذي يقرا وللذين يسمعون أقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها لان الوقت قريب " (رؤ3:1)، وتتكرر في السفر عبارة " من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس " سبع مرات (رؤ7:2،11،17،29؛6:3،13،22)، و" من له أذن فليسمع " (رؤ9:13). ويقول القديس يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني: " وفى يوم الأحد يجتمع كل الذين يعيشون في المدن أو في الريف معاً في مكان واحد وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء بحسب ما يسمح الوقت "(11).
3 – لم تتسلم الكنيسة سوى أسفار العهد الجديد الـ 27 فقط:
كانت أسفار العهد الجديد السبعة وعشرين هي وحدها التي سلمها الرسل وقبلتها الكنيسة ككلمة الله المكتوبة بالروح القدس، ولم يكن هناك أي كتاب منسوب للرسل غيرها، ولم يظهر أي كتاب من الكتب الأبوكريفية حتى منتصف القرن الثاني، فيما بين سنة 150 و 450م، وذلك بشهادة جميع العلماء والنقاد بكل مدارسهم واتجاهاتهم الفكرية والنقدية. أي بعد انتقال الرسل وخلفائهم، الآباء الرسوليين من العالم بعشرات ومئات السنين. وفي منتصف النصف الثاني من القرن الثاني وفي أوج وذروة وجود الهرطقة الغنوسية كان هناك القديس إيريناؤس (120 - 202م)، أسقف ليون، بفرنسا حاليا، وأحد الذين تتلمذوا على أيدي تلاميذ الرسل، خاصة القديس بوليكاربوس، كما أكد هو نفسه، كما بينا أعلاه، وخلفائهم، وكما يقول القديس جيروم " من المؤكد أنه كان تلميذا لبوليكاربوس "(12)، والذي كان حلقة الوصل بين الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده، وقد كتب مجموعة من الكتب بعن