|
|

الفصل الخامس
المجدلية
والكأس المقدسة في لوحة العشاء الأخير
ولكي يجد مكاناً للأنثى المقدسة والإلهة الأنثى في العهد الجديد ربط دان براون بين كل ما جاء في مراجعه الرئيسية الثلاثة " الدم المقدس، الكأس المقدسة، وكشف سر فرسان الهيكل: حراس سر هوية المسيح الحقيقة، وما كتبته مارجريت ستاربيرد عن مريم المجدلية باعتبارها، من وجهة نظرها، المرأة المقدسة أو الإلهة في الإنجيل "، مع الكثير من النظريات الخاصة بأساطير الكأس المقدسة وما جاء عن مريم المجدلية في خرافات وأساطير العصور الوسطى!!
وراح يسب الكنيسة ويهاجمها بقسوة لأنها رفضت عبادة الأوثان وحرمت الإباحية الجنسية وعبادة الأنثى بطقوسها الوثنية الجنسية الداعرة، وأعتبر أن تصرفها هكذا كفر وتجني!! وصب غضبه على سفر التكوين لأنه قال أن الله خلق المرأة من ضلع الرجل وتجنى على المسيحية واتهمها بهضم حق الأنثى وتحويل المجتمع من مجتمع أمومي يقدس المرأة ويعبدها في صورة الإلهة المقدسة إلى مجتمع ذكوري يقوده الرجل لا المرأة!!
(1) الأنثى المقدسة وكأس العشاء الأخير:
قال، براون، في الفصل الخامس والخمسين على لسان تيبينج, مستعينا بالأفكار التي أخذها عن كتاب " كشف سر فرسان الهيكل: حراس سر هوية المسيح الحقيقة ": " أن كل ما علمنا إياه اباؤنا عن المسيح هو خاطيء تقريباً, وكذلك القصص حول الكأس المقدسة " 000 اخذ تيبينج الكتاب وقلب صفحاته حتى وصل إلى منتصفه: " وأخيراً, وقبل أن أريك لوحات دافنشي عن الكأس المقدسة, أريدك أن تلقي نظرة سريعة على هذا "، وفتح الكتاب على صفحة كان عليها رسم ملون احتل صفحتين كاملتين ". اعتقد انك تعرفين هذه
- 90 -
اللوحة الجدارية؟ ".
إنه يمزح أليس كذلك؟ كانت صوفي تحدق في اشهر لوحة جدارية في التاريخ - لوحة العشاء الأخير - لوحة دافنشي الأسطورية على جدار كنيسة سانتا ماريا ديليه جراتزية بالقرب من ميلانو. وكانت اللوحة الجدارية الأثرية تصور يسوع وتلاميذه في اللحظة التي أعلن فيها أن احدهم سيخونه. " نعم, اعرف هذه اللوحة " 000
" أين يجلس المسيح؟ " سألها تيبينج. " في الوسط ". " حسناً, ما الذي يأكله هو وتلاميذه؟".
" خبزاً " بالطبع. " ممتاز. وماذا يشربون؟ ". " نبيذاً أنهم يشربون النبيذ ".
" عظيمً. وسؤالي الأخير الآن. ما هو عدد كؤوس النبيذ الموجودة على الترابيزة؟".
صمتت صوفي للحظة, فقد عرفت أن هذا هو السؤال الذي ينطوي على الخدعة. وبعد العشاء, أخذ يسوع كأس النبيذ، وشارك فيها تلاميذه. " كأساً واحدة, The Chalice، كأس المسيح، The Holy Grail،فقد مرر يسوع كأسا (Chalice) واحدة كما يفعل المسيحيون اليوم أثناء المناولة ".
تنهد تيبينج." افتحي عينيك الآن ". وفعلت. كان تيبينج يضحك بمكر, وعندما نظرت صوفي إلى اللوحة أمامها, ذهلت لرؤية كل واحد على الترابيزة وأمامه كأس من النبيذ بما فيهم المسيح, ثلاث عشرة كأساً وعلاوة على ذلك, كانت الكؤوس صغيرة بلا ساق ومصنوعة من الزجاج. لم يكن هناك كأس (Chalice) في اللوحة, ولا كأس مقدسة (Holy Grail).
لمعت عيناً تيبينج." ألا تعتقدين أن هذا غريب بعض الشيء؟ مع الاعتبار أن كل من الإنجيل وأسطورة الكأس المقدسة المألوفة يمجدان معاً تلك اللحظة على أنها اللحظة الحاسمة لظهور الكأس المقدسة. والغريب في الأمر هو أن دافنشي يبدو وكأنه قد نسي أن يرسم كأس المسيح.
" من المؤكد أن الباحثين في الفن قد لاحظوا ذلك ".
ثم راح يهيئ القاريء ليتقبل أفكاره الخرافية الخيالية الملفقة عن كأس العشاء الأخير
- 91 -
والتي يصورها وكأنها رحم أنثى تمهيداً لتصوير مريم المجلية كالأنثى المقدسة والإلهة المقدسة في الإنجيل كما زعمت ولفقت مارجريت ستاربيرد فقال على لسان بطل روايته الملفقة تيبينج: " ستصدمين عندما تعرفين الأشياء الشاذة التي تضمنها دافنشي هنا والتي إما لم يرها الباحثون أو أنهم قرروا تجاهلها ببساطة. أن هذه اللوحة الجدارية في الحقيقة, هي المفتاح الأساسي لحل غموض الكأس المقدسة فقد وضعها دافنشي ككل على الملأ في " لوحة العشاء الأخير ". تفحصت صوفي اللوحة باهتمام بالغ. " هل تخبرنا هذه اللوحة عن ماهية الكأس المقدسة الحقيقية؟ ".
" ليس عن ماهيتها ", همس تيبينج. " بل عن هويتها, فالكأس المقدسة ليست شيئاً مادياً. بل هي في الحقيقة 0000 شخص محدد ".
ويكمل في الفصل السادس والخمسين " حدقت صوفي بتيبينج للحظة طويلة ثم التفتت نحو لانجدون." الكأس المقدسة هي شخص؟ ".
أومأ لانجدون. " في الحقيقة, أنها امرأة ". فهم لانجدون من نظرة الذهول التي ارتسمت على وجه صوفي أن الدهشة قد عقدت لسانها. فتذكر رد فعلها عندما سمع تلك الجملة للمرة الأولي. ولم تتضح له عندئذ علاقة الجريل بالأثني إلا عندما فهم الرمزية التي تكمن وراء الكأس.
وهنا يبدأ براون بالخلط بين الفكر الوثني الخاص بالأنثى المقدسة والإلهة المقدسة
ويصنع رموزا للذكورة والأنوثة ويحاول إلصاقها بكأس العشاء الأخير: " أخرج لانجدون
قلماً من جيبه. " صوفي, هل تعرفين الرمزين المستخدمين حديثاً للدلالة على
الذكر والاثني؟ " ورسم الرمز المعروف للاثني
والذكر ♂.
" بالطبع , " قالت صوفي. " هذه, قال بهدوء, ليست الرموز الأصلية للذكر والانثي, ويفترض الكثير من الناس خطأ أن رمز الذكر قد أخذ من شكل الدرع والسهم بينما يمثل رمز الاثني باعتقادهم مرآة تعكس جمال الانثي. إلا أن اصل هذين الرمزين يعود إلى علم الفلك, حيث أن رمز الذكر هو رمز الكوكب الإله مارس - المريخ ورمز الانثي هو رمز الكوكب الإلهة فينوس الزهرة. لذا فكما ترين, الرمزين الأصليين هما أكثر ببساطة مما
- 92 -
يتخيل المرء ". رسم لانجدون على الورقة شكلاً رمزياً أخر.

" هذا الرمز هو الشكل الأصلي الذي يمثل الذكر 000 وهو شكل بدائي لقضيب الرجل. " رسم يشير إلى الفكرة بشكل مباشر 000 أن هذا الشكل كان يعرف سابقاً بالنصل (blade), وهو يمثل العنف والرجولة وفي الواقع, أن الرمز القضيب هذا بالتحديد لا زال يستخدم حتى اليوم في اللباس العسكري للدليل على الرتبة 000 فكلما ازداد عدد قضبانك, ارتفعت رتبتك العسكرية. لا أمل, الأولاد سيظلون أولاداً ".
ارتبك لانجدون. " فلننتقل إلى الحديث عن رمز الانثي, يمكنك أن تتصوري شكله, فهو عكس رمز الذكر تماماً ". رسم شكلاً أخر على الورقة. " هذا يدعى شاليس The Chalice ".
" نظرت صوفي إلى الشكل وقد بدأ عليها الاستغراب. استطاع لانجدون أن يري أن صوفي قد تمكنت من الربط " الشاليس يماثل كأس أو إناء والاهم من ذلك انه يشبه رحم المرأة حيث يمثل هذا الرمز الأنوثة والخصوبة ". نظر لانجدون إليها مباشرة الآن. " صوفي, أن الأسطورة تخبرنا بأن الكأس المقدسة هي Chalice, كأس، لكن وصف الجريل The Grail ككأس Chalice هو في الحقيقة مصطلح مجازي استخدم ليحمي سر الطبيعة الحقيقية للكأس المقدسة The Holy Grail. وهكذا فإن الأسطورة استعارت لفظ الكأس The Chalice للتعبير عن شيء أكثر أهمية ". قالت صوفي. " امرأة ".
ثم يبدأ خياله الخرافي الوثني في ربط الكأس بعبادة الأنثى ويدعي ادعاءات لا وجود لها إلا في خياله فيقول: " أن الكأس The Grail حرفياً هي رمز قديم للأنوثة والكأس المقدسة The Holy Grail تمثل المرأة المقدسة والإلهة الانثي, التي ضاعت الآن
- 93 -
بسبب محوها تماماً على يد الكنيسة, كانت قوة المرأة وقدرتها على أنتاج الحياة في قديم الزمان, أمراً مقدساً لكنه يهدد قيام الكنيسة التي سيطرت عليها السلطة الذكورية, لذا فقد ألصقت بها الصفات الشيطانية وصارت غير نظيفة. لقد كان الرجل وليس الله هو الذي اخترع مفهوم الخطيئة الأصلية حيث أكلت حواء من التفاحة وتسببت في سقوط الجنس البشري. فأصبحت المرأة التي كانت يوماً معطية الحياة, أصبحت اليوم العدو ".
" يجب أن أضيف ", قاطعه تيبينج, " أن المفهوم الذي يقول أن المرأة هي التي تعطي الحياة كان أساس الأديان القديمة, فولادة الطفل كانت قوية وسحريةً. لكن من المؤسف أن الفلسفة المسيحية قررت أن تسرق قوة المرأة المبدعة بإنكار الحقيقة البيولوجية وجعل الرجل هو الخالق. يخبرنا سفر التكوين أن حواء خلقت من ضلع ادم. وبذلك أصبحت المرأة فرعاً من الرجل والخاطئة في ذلك. كان سفر التكوين هو بداية النهاية بالنسبة للإلهة الانثي ".
قال لانجدون: " أن الكأس هي رمز الإلهة الضائعة, فعندما جاءت المسيحية, لم تمت الأديان الوثنية بسهولة. وأساطير بحث الفرسان عن الكأس المقدسة. والفرسان كانت في الحقيقة قصصاً تروي حكاية الحملات المحرمة للعثور على الانثي المقدسة. والفرسان الذين ادعوا أنهم يبحثون عن الكأس, كانوا يتحدثون باستخدام شفرة وذلك كوسيلة لحماية أنفسهم من كنيسة استعبدت النساء, ونفت الإلهة, وحرمت الملحدين, ومنعت الوثنيين من عبادة الانثي المقدسة ".
هزت صوفي رأسها. " عفواً لكن عندما قلت أن الكأس المقدسة The Holy Grail كانت شخصاً, ظننت انه كان شخصاً من لحم ودم ". " وهو كذلك ". قال لانجدون.
" وليست أي شخص "، قال تيبينج دون تفكير, ووثب على قدميه بحماس. " إنها امرأة حملت معها سراً قوياً, قد يهدم أساس المسيحية في حال تم كشفه!.
بدت صوفي مذهولة. " وهذه المرأة, هل هي معروفة في التاريخ؟". " تماماً ".
وفي الفصل الثامن والخمسين يكمل بوصف لوحة العشاء الأخير بصورة تلفيقية مكملا ما بدأ به كتاب " كشف سر فرسان الهيكل ": إن الكأس المقدسة هي امرأة, فكرت
- 94 -
صوفي 000 لقد قلت أن لديك صورة للمرأة التي ادعيت أنها هي الكأس المقدسة ". " نعم, لكنني لست أنا من أدعي ذلك. المسيح بذاته نفسه هو الذي أدعي ذلك " 000 الكأس المقدسة The Holy Grail، السانجريال The Sangreal. الكأس The Chalice ". ودار فجأة ثم أشار بيده إلى الحائط في أخر الغرفة. وهناك كانت نسخة مطبوعة من لوحة العشاء الأخير بطول ثمانية أقدام, معلقة علي الحائط لقد كانت هذه الصورة هي نفس الصورة التي كانت صوفي تنظر إليها بالضبط 000 اقتربت صوفي من اللوحة بتردد وأخذت تتفحص الأشكال الثلاثة عشر - كان يسوع المسيح في الوسط وستة من تلاميذه عن يساره وستة عن يمينه ". إنهم جميعاً رجال 000وقال تيبينج: ماذا عن الشخص الذي يجلس في مكان الشرف علي يمين الرب؟ ".
تفحصت صوفي الشخص الذي كان إلي يمين يسوع مباشرة. وركزت نظرها عليه. وعندما
تفحصت وجه الشخص وجسده, أحست بموجة عارمة من الذهول تسري في جسدها. كان ذلك
الشخص ذو شعر احمر كثيف ويدان ناعمتان مطويتين ولمحة لصدر. لقد كان الشخص دون اى شك
000 امرأة. صاحت صوفي " هذه امرأة " 000
كانت المرأة الجالسة عن يمين يسوع صبية شابة ويبدو عليها الورع وذات وجه يتسم بالرزانة والحشمة وشعر احمر كثيف ويدين مطوقتين بطمأنينة, هذه هي المرأة التي بأمكانها ببساطة قلب الكنيسة رأساً علي عقب؟
" من هي هذه المرأة؟ " سألت صوفي. أجابها تيبينج: " تلك يا عزيزتي، هي مريم المجدلية ". التفتت صوفي: " العاهرة؟ ".
أخذ تيبينج نفساً قصيراً, كما لو إن الكلمة جرحته في الصميم." لم تكن المجدلية كذلك قط. وتلك الفكرة الخاطئة هي الإرث الذي خلفته الحملة القذرة التي أطلقتها الكنيسة الأولي فقد كانت الكنيسة بحاجة لتشويه سمعة مريم المجدلية وذلك للتغطية على سرها
- 95 -
الخطير وهو دورها ككأس مقدسة (Holy Grail) 000
ثم راح كعادته في التزوير والتلفيق يحاول الإيحاء بأن لهذا الموضوع جذور في الإنجيل والتاريخ، ولا نعرف أي تاريخ يقصده إلا الكتب الخيالية المزورة، التي كتبت بعد سنة 1982م!! والتي بنت أفكارها على تلفيق وتزوير وخرافات وخيال وأوهام لا وجود لها إلا في خيالهم الوثني الجنسي الإباحي الداعر، التي اعتمد عليها!! فقال: " كان هناك موضوع ارضي مزعج يتكرر في الأناجيل, موضوع مريم المجدلية ". صمت لحظة." وبكلمات اصح, موضوع زواجها من يسوع المسيح 000 أن ذلك مسألة سجلات تاريخية 000 وكان دافنشي علي علم تام بهذه الحقيقة ". ولوحة العشاء الأخير هي صرخة للمشاهد أن يسوع والمجدلية كانا زوجين 000 لاحظي أن يسوع والمجدلية يلبسان ثياباً يعكس احدهما صورة الآخر كامرآة 000 لقد كانت ثيابهما متعاكسة في اللون؛ فيسوع كان يرتدي ثوباً أحمر وفوقه عباءة زرقاء في حين أن مريم المجدلية كانت ترتدي ثوباً ازرق وفوقه عباءة حمراء , ين ويانج Yin and Yang 000 لاحظي أن يسوع وعروسه يبدوان وكأنهما متصلان عند الورك, ثم يبتعدان عن بعضهما كما لو أنهما يخلقان هذا الفراغ الـ negative المخطط بينهما بوضوح 000 رأت صوفي شكل v الواضح تماماً في مركز اللوحة بالضبط, وكان نفس الرمز الذي رسمه لانجدون سابقاً للكأس المقدسة Grail, الكأس 000chalice ورحم الأنثى 000 إذا نظرت إلى يسوع والمجدلية باعتبارهما عناصر تركيبية لا علي أنهما شخصان, ستجدين أنهما يكونان شكلاً أخر أكثر وضوحاً 000 كانت الخطوط التي تشكل حرف M عملاق دقيقة إلى حد لا يترك مجالاً للشك, وكانت ساطعة في مركز اللوحة بشكل يعمي الأبصار تصرخ بصوت عال لتلفت نظر المشاهد إليها ".
وراح يفسر فبركاته وخرافاته وأوهامه بنظرية المؤامرة التي تتناسب مع فكره وفكر الذين يريدون أحياء العبادات الوثنية الإباحية الجنسية فقال: " إذا سألت الباحثين الذين يقولون بنظرية المؤامرة Conspiracy Theorists فسيجيبونك بأن ذلك الحرف يرمز إلى كلمة ماتريمونيو Matrimonio – زواج – أو مريم المجدلية Mary Magdalene. ولكي أصدقك القول, لا احد يعرف الإجابة علي ذلك السؤال بشكل أكيد. لكن الحقيقة
- 96 -
الوحيدة المؤكدة هي أن وجود حرف M بشكل مخفي في تلك اللوحة, لم يكن عن طريق الخطأ, هذا بالإضافة إلى انه كانت هناك أعمال كثيرة جداً ذات صلة بالكأس المقدسة أحتوت علي حرف M بشكل مخفي سواء كان ذلك كعلامة مائية أو بشكل مخبأ تحت اللوحات أو كإشارات مبتكرة لا تظهر للناظر إلا إذا دقق فيها. إلا آن أوضح M بلا منازع هي تلك التي تزين مذبح كنيسة سيدة باريس في لندن, والتي صممت علي يد زعيم كبير سابق لأخوية سيون, وهو جان كوكتو ".
2 – تلفيقات الكاتب وأكاذيبه المبنية على أوهام:
أن ما لفقه الكاتب أعلاه بناه على أوهام وتخيلات نبعت من فكره الخيالي الذي يؤمن بالتلفيق وقد أعتاد عليه، فهو مجرد تلفيق من وحي خياله لا أكثر ولا اقل أولاً فقد زعم أن الكأس كانت دائما هي رمز الأنوثة!! وهذا مجرد تلفيق من تلفيقاته فقد كانت الكأس عند اليونانيين القدماء هي رمز الحياة التي يوضع فيها ترياق الحياة، وما تزال ترمز عند الصيادلة لسم الحية الذي يوضع فيها فيتحول إلى دواء لشفاء المرضى 00 الخ
وما بناه على أسطورة الجريل، The Holy Grail، مجرد وهم كاذب وخيال وخرافات وخزعبلات فقد بينا في الفصل السابق كيف أن الجريل لم تكن مجرد كاس المسيح ولم يكن لأسطورتها أي وجود قبل القرن الثاني عشر، وكانت رواياتها الأسطورية مجرد روايات ألفها رواة القصص المحترفون ليتسلى بها الملوك والنبلاء، وقد أرجعها الدارسون لأصلها الوثني السلتي وكانت مجرد إناء أسطوري له شكل الطبق الواسع والعميق نوعا ما أو الصينية أو كما تقول دائرة المعارف البريطانية: " كانت الكلمة (Grail) تشير بشكل واضح إلى إناء ذو فم واسع وضحل العمق وذلك على الرغم من أن معناه الاصطلاحي يظل غير مؤكد "(1)، أو أنه حجر نزل من السماء!! والخلاصة كما لخصها أحد الكتاب: " قد توصف الجريل كالطبق الذي أكل منه المسيح خروف الفصح في العشاء الأخير، أو الـ Chalice التي استخدمت في سر التناول للمرة الأولى، والتي استخدمت فيما بعد ليوضع فيها دم المخلص الذي أنساب من جسده الجريح، أو كالحجر الذي يقدم الغذاء بصورة إعجازية ويحفظ فضيلة الشباب، أو الطبق، الصينية، التي يحمل رأس إنسان تعوم في دم، أو محمول في صالة قلعة تحمله فتاة جميلة، وقد يطفو في الهواء في قصر الملك أرثر، أو محتجب في حجاب حريري أبيض ومرسوم بخيوط ذهبية، أو موضوع على ترابيزة في الشرق، مع سمك طازج مصطاد، أو يخدم كتعويذة تبين الطاهر من غير الطاهر؛ وقد يسمى حارسة برون أو أنفورتاس أو بيليس أو يوسف الرامي، أو ببساطة الملك الصياد، وقد يكون صوت الريح، أو قطع في الفخذين أو الأعضاء التناسلية، وقد يكون بطله الذي ينجز البحث عنه رديء السمعة كالعاشق جاويين أو البتول جالاهاد "(1).
3 - الشرح التفصيلي للوحة العشاء الأخير كما أوضحه العلماء:
ولكي نفهم حقيقة اللوحة، والتي بنى عليها دان براون، ومن اعتمد على فكرهم، محور روايته، جيداً يجب أن نرجع إلى العلماء المتخصصين ومؤرخي فن الرسم وما كتبوه عنها، لكي تكون لدينا صورة واضحة بعيداً عن التلفيق والتزوير والادعاءات الكاذبة.
(1)الرسم
التخطيطي الذي رسمه ليوناردو للوحة؛
اعتاد ليوناردو دافنشي قبل رسم أي لوحة أن يعمل لها رسماً تخطيطياً، كروكي، يضع فيه
تصوراته عن محتوى اللوحة وما يفكر فيه من جهة الأشخاص الذين كان عليه أن يرسمهم في
اللوحة، وقد أحتفظ لنا المؤرخون الذين أرخوا لفن الرسم بالرسم الكروكي الذي رسمه
ليوناردو دافنشي لهذه اللوحة والذي حدد فيه اسم كل شخصية من شخصيات اللوحة ومنها
شخصية يوحنا الذي كتب اسمه على رأس الرسم التخطيطي له في اللوحة!!
ومن هنا كانت أسماء الشخصيات مكتوبة على اللوحة كما جاءت في الرسم التخطيطي لها وكما أكد ذلك العلماء والمؤرخون عبر تاريخ اللوحة وهذا في حد ذاته كاف لتحطيم

كل نظريات دان براون، التي بناها على خيال أوهام من سبقوه!
(2) موضوع اللوحة كما خطط له ليوناردو؛ يقول هؤلاء العلماء والمؤرخون؛ لقد رسم ليوناردو دافنشي هذه اللوحة فيما بين سنة 1495 و1498م على حائط حجرة الطعام في كنيسة سانتا ماريا دي ليجرازSanta Maria delle Grazie بميلانو بإيطاليا. وكان موضوعها الجوهري هو تصوير رد فعل تلاميذ المسيح الأثنى عشر عندما أعلن لهم، المسيح، أن واحداً منهم سيسلمه: " الحق الحق أقول لكم أن واحد منكم من سيسلمني " (يو13 :21). ولكي يجعل الصورة متوازنة قسم دافنشي التلاميذ الأثنى عشر إلى أربع مجموعات، تتكون كل مجموعة من ثلاثة تلاميذ، ووضع مجموعتين منها على كل جانب من جانبي الرب يسوع المسيح؛ أي ستة تلاميذ على كل جانب في مجموعتين. وكانت المجموعة التي عن يمين المسيح هي التي لعبت الدور الأهم في رواية دان براون " شفرة دافنشي ". فعلى يمين المسيح نجد ثلاثة من التلاميذ؛ هم يوحنا ويهوذا وبطرس. هذا التجمع الثلاثي تكون من ميل بطرس للأمام ليطلب من يوحنا أن يسأل عن الخائن الذي سيسلم الرب؛ " فاومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه " (يو13 :24)، ثم انحناء يوحنا تجاهه ليسمع سؤاله وجاء يهوذا بينهما. يقول الإنجيل: " فاتكأ ذاك (يوحنا) على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي
- 99 -
اغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي "
(يو13:25و26).
وهنا يصور دافنشي يهوذا يقبض بيده على صرة نقود في يده اليمنى، مشيرا إلى قوله "
إذ كان الصندوق مع يهوذا "
(يو13:29)،
كما يصوره
وهو يحوم
بيده اليسرى على قطعة خبز على المائدة، حيث يلمح
ليوناردو بوضوح لقول الرب يسوع المسيح "
الذي يغمس يده معي في الصحفة (الطبق) هو يسلمني
"
(مت26:23).
وهذا ما توضحه اللوحة في القطاع المأخوذ منها في الصورة المجاورة والمأخوذة من
اللوحة قبل الترميم.
(3) هل خلت اللوحة من الكأس؟ بني دان براون كل نظريته على أساس خلو اللوحة من الكأس المقدسة، فراح يزعم أن دافنشي لم يرسم الكأس في لوحته لأنه كان يقصد بها مريم المجدلية، الكأس الحقيقة حسب مزاعمه وتلفيقاته فقال: " لم يكن هناك كأس (Chalice) في اللوحة, ولا كأس مقدسة (Holy Grail) 000 أن دافنشي يبدو وكأنه قد نسي أن يرسم كأس المسيح "!! فهل تعمد دافنشي أن لا يرسم الكأس؟
والإجابة ببساطة كلا، وألف كلا! فقد رسم دافنشي الكأس المقدسة، في لوحته ولم ينسى،
بل ولم يتعمد عدم رسمها!! فالكأس موجودة في اللوحة!! ولكن لأن براون ومن اعتمد على
كتابهما رأوا اللوحة قبل ترميمها سنة 1999م، برغم أن الكأس واضحة فيها، إلا أن
علماء الكمبيوتر قاموا بتصوير النسخة الأصلية للوحة بعد الترميم وظهرت الكأس جيداً
مرسومة على العمود خلف رأس بارثولماوس في أقصى يسار الناظر للوحة. (أنظر
الكأس خلف رأس برثولماوس)
- 100 -

بل والأعجب والأغرب أن الصورة التي يضعها دان براون في موقعه الشخصي للوحة تظهر فيها الكأس المقدسة بوضوح، ومع ذلك فقد عميت بصيرته وبصره عنها أو أنه تجاهل ذلك، فكل شيء مباح بالنسبة لمن يفكرون بطريقته!!

والسؤال الآن هو لماذا وضع دافنشي الكأس هكذا ولم يضعها على المائدة أمام المسيح كما هو الحال في بقية صور العشاء الأخير؟
من المفيد هنا أن نوضح أن لوحة دافنشي أسمها العشاء الأخير وليس العشاء الرباني،
- 101 -
وهناك فرق كبير بين هذا وذاك، فالعشاء الأخير كان هو عشاء الفصح اليهودي الذي كان في جوهره يرمز للمسيح، أما العشاء الرباني فهو التناول من الخبز المتحول إلى جسد والخمر المتحول إلى دم المسيح؛ وقد رسم دافنشي لوحة للعشاء الأخير، أي الفصح الأخير للمسيح، والذي كان يتكون من طبيخ التين والبلح وكؤوس الخمر، وليس العشاء الرباني الذي تكون من كأس واحد وخبزة واحدة. ومن هنا لم يرسم الكأس على المائدة، بل رسمها على العمود خلف رأس برثولماوس بصورة توحي بدورها الذي سيبدأ ولن ينتهي، لأنه لم يكن لها دور &