الفصل الثالث

روايات وأساطير الكأس المقدسة

 

  لم تهتم الكنيسة الأولى، خاصة في القرون الثلاثة الأولى وبداية القرن الرابع، بأي شيء مادي يخص الرب يسوع المسيح أثناء حياته على الأرض، مثل ملابسه وأحذيته والأواني التي كان يستخدمها والأماكن التي تقدست بوجوده فيها بالجسد وبسيره عليها، أو بالكأس التي ناول منها تلاميذه أو ببقية أدوات المائدة التي أكل عليها هو وتلاميذه في العشاء الأخير ومنها الطبق الذي وضع عليه لحم خروف الفصح، أو بإكليل الشوك الذي وُضع على رأسه والصليب الحقيقي الذي صلب عليه والمسامير التي سمرت بها يداه ورجلاه على الصليب والحربة التي طُعن بها جنبه، إنما اهتمت فقط بتقديم الإنجيل، البشارة السارة والخبر المفرح، الذي يعطي للعالم الفداء والخلاص الأبدي والحياة الأبدية بالإيمان بالمسيح كالفادي الوحيد والمخلص الوحيد للعالم " وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه " (يو20 :31)، " وليس بأحد غيره الخلاص لأنه ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص " (أع4 :12).

  كما كان المسيحيون مضطهدين ومحاربين وهاربين أمام الأباطرة الرومان وولاتهم وجنودهم " تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض " (عب11 :38). ولكن، بعد منشور ميلان (317م) الذي أعطى فيه الملك قسطنطين الحرية للمسيحيين، وبعد تحول والدته الملكة هيلانة إلى المسيحية، بدأت عملية البحث عن القبر المقدس الذي دفن فيه المسيح والصليب الحقيقي الذي صُلب عليه وكذلك إكليل الشوك والمسامير والحربة وكل ما لمسه المسيح وتبارك بلمس جسده الطاهر، خاصة فيما بين القرن الرابع والسادس. وفي العصور الوسطى وبعد انتشار المسيحية في الشمال والجنوب واحتفاظ بعض العامة من المسيحيين بما حفظوه في أديانهم السابقة من خرافات وأساطير، راحوا، بعيداً عن الكنيسة، يؤلفون الروايات الأسطورية والخرافات والملاحم والرؤى عن هذه الرفات

- 50 -

المقدسة التي خلطوا فيها بين ما هو حقيقي وأثري وله وجود حقيقي مثل القبر المقدس والصليب الحقيقي وما هو وهمي وخيالي وخرافي!! تقول دائرة المعارف البريطانية: " وُجد عدد من الأساطير والخرافات المسيحية والأعمال الفنية بهدف أحياء القدرات الدينية لتحويل المشاهد والمستمع ضد أشكال الشر الكريهة وإيضاح عمل الخلاص الذي أتمه المسيح، في شرح جيد يعلو فوق المكان في مؤلفات رمزية وأساطير ودراما عالمية منحوتة كطراز الكاتدرائيات الرومانسي، حيث يواجه المسيح الممجد وأتباعه القديسون الوحوش الرهيبة والشياطين. وقد بين الجانبان معاً الضوء الطيفي للعالم الخيالي للأسطورة المسيحية لليوم "(1).    

  وقد أعطت الروايات والأساطير الشعبية المسيحية التي انتشرت في القرون الوسطى للكأس المقدسة Holy Chalice التي استخدمها الرب يسوع المسيح في العشاء الرباني، والتي تحول فيها الخمر إلى دم المسيح، وكذلك الكأس المقدسةThe Holy Grail والتي قيل أن يوسف الرامي، الذي دفن المسيح، قد استخدمها في حفظ دم المسيح الذي سال من جنبه عندما طعنه أحد الجنود الرومان بحربة في جنبه، مكانة كبيرة نسجت حولها الروايات والأساطير التي لا وجود لها لا في الأناجيل القانونية الموحى بها بالروح القدس ولا في الأناجيل الأبوكريفية، المنحولة، أو الكتب الأبوكريفية الأخرى، المنحولة، التي كتبت فيما بين سنة 150 و450م وما بعد ذلك، ولا في أي من كتابات آباء الكنيسة في القرون الأولى ولا في أي كتابات كنسية أخرى على الإطلاق. تقول دائرة المعارف الكاثوليكية 1908م:

  " لا يوجد تقليد موثّق محفوظ لدينا فيما يختص بالإناء الذي استخدمه المسيح في العشاء الأخير. وكان الذين يحجون إلى أورشليم في القرنين السادس والسابع يعتقدون أن الكأس Chalice الحقيقية كانت ما تزال مكرمة في كنيسة القبر المقدس وموجود بها الأسفنجة التي قدمت لمخلصنا في الجلجثة "(2).

  ولم تهتمم الكنيسة عموما بموضوع هذه الكأس ولا بنوعيته وإنما اهتمت فقط بما كان

فيه، الخمر الذي تحول إلى دم المسيح، يقول ذهبي الفم في عظة له على الإنجيل للقديس متى: " لم تكن المائدة من فضة ولم تكن الكأس the Chalice، التي فيها أعطى المسيح دمه لتلاميذه ليشربوا، من ذهب، ومع ذلك فكل ما كان فيها ثمين ويوحي بالورع حقاً ".

1 – روايات حول الكأس المقدسة التي استخدمت في العشاء الأخير:(1)

  تسمي الروايات الخاصة بالكأس التي استخدمها الرب يسوع المسيح في العشاء الأخير بـ Chalice، وقد انتشرت الروايات والأساطير حول هذه الـ Chalice في القرن السادس عشر بكثافة حيث كانت هناك عشرون كأساً يقال أنها هي الكأس المقدسة The Holy Chalice التي استخدمت في العشاء الأخير. ولدينا الآن أربع روايات لها جذورها التاريخية القديمة والتي أجريت عليها دراسات عديدة مؤخراً؛

(1) كأس الأراضي المقدسة: والتي يذكر أقدم سجل موجود لدينا عن هذه الكأس Chalice أنها كانت موجودة في الأراضي المقدسة، كما يقول هذا السجل الوحيد المكتوب ويصفها بأنها كأس فضية كانت محفوظة في صندوق للذخائر المقدسة في كنيسة صغيرة بالقرب من أورشليم بين كاتدرائية الجلجثة ومكان الاستشهاد Martyrium، وذلك بناء على ما جاء في رواية لراهب انجلو ساكسوني يدعى أركولف Arculf الذي رأى هذه الكأس، عندما حج إلى أورشليم، من خلال فتحة في غطاء صندوق لحفظ الذخائر المقدسة كانت موضوعة فيه، وقد لمسها بيده وقبل يده لأنها لمستها ويقول في روايته De locis sanctis أن مقاييس هذه الكأس هي المقاييس التي لأهل الغال (فرنسا)، كما يقول أن كل المدينة اجتمعت لتكريمها. ويقول أركولف أيضاً أنه رأي الحربة المقدسة التي طعن بها الجندي الروماني جنب المسيح في كاتدرائية الملك قسطنطين. وهذه هي الرواية الوحيدة التي تذكر الكأس Chalice في الأراضي المقدسة، أما إذا كانت هي الكأس الحقيقية التي ناول فيها المسيح تلاميذه أم لا فالشيء المؤكد أنها من الفضة.

(2) كأس القسطنطينية(2): وتوجد هناك إشارة من أواخر القرن الثالث عشر لنسخة من هذه الكأس كانت موجودة في القسطنطينية في رواية ألمانية دعيت تيوريل الأصغر

(Younger Titurel the)، وهي لطبق نبيل جداً وثمين جداً وكان قد صمم ليكون مطابقاً لهذه الكأس Chalice، وفي القداسة ليس بها خلل وقد جربها أهل القسطنطينية في أرضهم فوجدوا أنها مزينة واعتبروها كأساً حقيقية؛ " هذا الجريل يقال أنهم غنموه من كنيسة Bucoleon أثناء الحرب الصليبية الرابعة وأرسلوه من القسطنطينية إلى تروا Troyes عن طريق Garnier de Trainel الذي صار أسقفاً لتروا في سنة 1204م. ثم سجلت الكأس هناك سنة 1610م ولكنها اختفت في الثورة الفرنسية .

(3) كأس فالينسيا: والكأس الأخرى الموجودة حتى اليوم هي the santo cáliz، وهي كأس من العقيق في كاتدرائية فالينيسيا Valencia بأسبانيا ومكتوب عليها نقش باللغة العربية، وترجع أقدم إشارة مؤكدة لها لسنة 1399م وقد تم تبادلها مع دير سان جوان دي لا بينا (San Juan de la Peña) للملك مارتن الأول ملك أرجون بكأس من الذهب. وبنهاية القرن كشف عن مصدر للكأس يقول أن القديس بطرس هو الذي أحضره إلى روما. وهي الكأس الوحيدة المعترف بها كمقدسة في العالم الكاثوليكي.

  هذه الكأس التي تم ربطها بإناء العشاء الأخير ما تزال محفوظة في كنيسة صغيرة مكرسة لها في كنيسة صغيرة هي del Santo Caliz(3) داخل كاتدرائية فالنيسيا حيث يذهب لزيارتها آلاف الزوار. وهي مصنوعة من عقيق أحمر داكن وارتفاعها 17 سم وقطرها حوالي 9 سم، وبعد فحص تم سنة 1960م أكد عالم الآثار الأسباني أنطونيو بلتران Antonio Beltrán أن الكأس مصنوعة في ورشة فلسطينية أو مصرية فيما بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي. وتأتي هذه الكأس التي في فالينيسيا مع شهادة موثقة وقائمة من الرق من سنة 262م مصحوبة بخطاب مفقود وتتحدث عن الاضطهاد الروماني للمسيحية فاضطرت الكنيسة أن تقسم كنوزها وتخفيها خاصة عند الشماس سان لورانس، وتعدد القائمة كل المواد الثمينة بما فيها وصف خواص هذه الكأس المقدسة واستخدامها في صلوات القداس عن طريق كل الباباوات الكاثوليك الذين خلفوا القديس بطرس.

  ويؤرخ أول بيان تفصيلي لهذه الكأس المقدسة بفالينيسيا بسنة 1134م. وبحسب ما تقول هذه الوثيقة فقد كانت هذه الكأس هي التي " أودع فيها المسيح ربنا دمه ". وقد أحتفل البابا يوحنا بولس الثاني نفسه بهذه الكأس في فالينيسيا في نوفمبر 1992م مما أثار بعض الضجيج باعتبار أن هذه الكأس هي أشهر كأس معروفة تاريخياً ولكنه لم يقل شيئاً يؤكد مصداقيتها. كما أن هذه الكأس لم يقال قط أنها تسببت في صنع معجزات مثلما قيل عن الجريلThe Holy Grail  أو عن الحربة المقدسة أو قصص الصليب الحقيقي.

  وتعتقد الباحثة جانيس بينيت Janice Bennett  كاتبة " سان لورانس والكأس المقدسة - Saint Laurence and the Holy Grail " أن تاريخ الكأس المقدسة يمكن أن يبدأ من رحلة القديس بطرس إلى روما إلى سان لورانس في القرن الثالث، ثم إلى مقرها الحالي في كاتدرائية فالينيسيا بأسبانيا، بل وتؤكد أنها هي نفسها الكأس التي استخدمها المسيح في العشاء الأخير. وتقدم جانيس دليل تاريخي من القرن السادس الميلادي وهو مخطوطة لاتينية كتبها راهب أوغسطيني، أسس ديرا في فالينيسيا، تحتوي على تفاصيل حياة سان لورانس وتفاصيل حول نقل الكأس Chalice إلى أسبانيا ويوجد لهذه المخطوطة، المفقودة الآن، ترجمة أسبانية  من القرن السابع عشر بعنوان " حياة واستشهاد المطوب الأسباني سان لورانس _ Life and Martyrdom of the Glorious Spaniard St. Laurence ". وكان المصدر الرئيسي لحياة سان لورانس هو قصيدة Peristephanon للشاعر المسيحي الروماني برودنتيوس Prudentius وفي سنة 1960م درس عالم الآثار الأسباني أنطونيو بلتران Antonio Beltrán هذه الكأس وقال: " يؤيد علم الآثار ويؤكد بوضوح المصداقية التاريخية ". وتقول جانيس بينيت لمحرر من Denver Catholic Register " كل فرد في أسبانيا يؤمن أنها هي الكأس " أي شاليس

- 54 -

 The Chalice، " يمكن أن تراها كل يوم فالكنيسة مفتوحة ".

 (4) كأس جنوا: وهناك إناء موجود حالياً في كاتدرائية بجنوا سداسي الشكل معروف بالحوض المقدس Sacro Catino، وبحسب التقليد الخاص به يقال أنه منحوت من الزمرد، وهو في الحقيقة طبق زجاجي مصري أخضر، بقطر حوالي 37 سم، وكان قد أرسل إلى باريس بعد غزو نابليون لإيطاليا وعاد مكسوراً، وأصله غير معروف. ويقول وليم الصوري رئيس أساقفة صور الذي كتب حوالي سنة 1170م، أنه وجد في مسجد في قيصرية سنة 1101م " إناء vase أخضر رائع في شكل وعاء ". ويعتقد أهل جنوا أنه من الزمرد وقد حصلوا عليه مقابل مبلغ ضخم من المال. وفي قصة أسبانية مثيلة يقول تاريخه أنه وجد عندما استولى الفونسو السابع ملك القلعة وليون على ألميريا بجنوب أسبانيا من المورز Moors 1147م بمساعدة أهل جنوا وهو " وعاء محفور من الزمرد  الذي كان مثل الطبق ". ولم يربط أحد بين الوعاء وكأس يوسف الرامي Chalice الذي تقول الأساطير أنه جمع فيها دم المسيح الذي سال من جسده، إلا عند نهاية القرن الثالث عشر.

2 – أساطير حول الكأس المقدسة المنسوبة ليوسف الرامي(4):

  يقول أحد الدارسين للجريل: " كان هناك في القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر طبقة من رواة القصة المحترفين الذين كانوا يقومون بتسلية الملوك والكونتس (النبلاء) والنبلاء الصغار بمستودع من الروايات الرومانسية  عن أرثر وفرسانه 000 وقال الشاعر النورماندي ويس Wace سنة 1155م أن البريطانيين في أيامه رووا روايات كثيرة عن المائدة المستديرة "(5).

  وفي تلك الفترة روى هؤلاء وكتبوا العديد من الروايات الأسطورية التي تتحدث عن الجريلThe Holy Grail، وذلك بأشكال وصيغ مختلفة، كإناء vessel أو كوب Cup أو طبق Plate واسع وعميق إلى حد ما أو صحن أو صينية أو ككأس Chalice، وقالوا أنه كان لها أو له قوة إعجازية كبيرة، كما سنبين، ومن أشهر هذه الروايات الأسطورية وأهمها أسطورة الكأس Chalice التي استخدمها يوسف الرامي لحفظ الدم الذي سال من جسد المسيح. والتي تقول أن هذه الجريل هي نفسها الكأس الذي استخدمها يوسف الرامي ليجمع فيها دم المسيح الذي سال من جسده على الصليب. هذه الكأس، كما تقول الأساطير الخاصة بها، كانت لها قوة إعجازية كبيرة، ثم حملها يوسف الرامي وذهب بها إلى بريطانيا، وهناك أسس سلالة من الحراس، من نسله، لحمايتها. وكان العثور على هذه الكأس هو هدف فرسان المائدة المستديرة التي كونها الملك آرثر الذي حكم بريطانيا في نهاية القرن الخامس الميلادي وبداية السادس، والذي دارت حوله الأساطير الكثيرة.

  تقول دائرة المعارف أنكارتا Encarta: " بحسب التقاليد فقد حفظ يوسف الرامي الجريل Grail بعد العشاء الأخير وجمع فيه دم يسوع عندما صلب، يسوع، قبل أن يذهب به إلى بريطانيا، وكان الإناء يسلم من جيل على جيل في عائلة يوسف الرامي. ويفترض أنه كانت لهذا الجريل Grail قدرات إعجازية عديدة د، فقد كان يقدم الطعام لغير الخاطئين ويعمي غير طاهري القلب ويسكت عديمي الاحترام الذين يأتون إلى محضره "(6).

(1) المصطلحات المستخدمة للجريل The Grial:

  نشأت أساطير الجريل The Grial في فرنسا القديمة ولذا فقد كانت أقدم مصطلحاتها اللغوية فرنسية قديمة، وأقدم تعبير لها هو grail والمأخوذ من الفرنسية القديمة gradale وفي اللاتينية gradalis ويعني " إناء واسع ومجوف إلى حد ما يوضع فيه الطعام الثمين "(7). تقول دائرة المعارف البريطانية: " كانت الكلمة (Grail) تشير بشكل واضح إلى إناء ذي فم واسع وضحل العمق وذلك على الرغم من أن معناه الاصطلاحي يظل غير مؤكد "(8). وتشرح لنا دائرة المعارف الكاثوليكية مصدر الاسم فتقول: أن هذا المعنى جاء عن طريق الراهب المؤرخ البندكتي هيليناندوس  Helinandusحوالي سنة 1230م والذي يذكر تحت تاريخ 717م رؤية لناسك عن الطبق الذي استخدمه المسيح في العشاء الأخير، أي الطبق الذي كان يوضع فيه خروف الفصح، وقد كتب عن رؤيته هذه كتابا في اللاتينية اسماه " Gradale "، ويقول لنا أنGradalis  أو  Gradaleيعني طبق واسع وعميق إلى حد ما، ويدعى في الحديث الشعبي العام " greal " ولأن الكلمة اللاتينية " gradale  " في الفرنسية القديمة " grail " أو " greal " أو  " greel " بينما في الإنجليزية "  grail"، وفي كل الأحوال تعني طبق، وأصبحت كلمة " San greal  "، سان جريل، تعني، في أساطيرنا هذه، الكأس المقدسة، وحولها البعض فيما بعد بنقل حرف  Gمن مكانها في " San greal " لتصبح " sang real " ويصبح معناها " دم ملكي "(9)!!

  ولكن هذا التخريج الأخير للكلمة وتحويلها من " San greal " لتصبح " sang real " لا يتفق لا مع مصدر الكلمة ولا مع استخدامها في أقدم عصورها فقد كانت تستخدم كـ Greal وبقية مفرداتها، كما سنوضح حالاً، وذلك يبدو من عدم استخدام كلمة San وبقية الكلمات المساوية لها في كل اللغات القديمة!! وقد حدث ذلك نتيجة لخطأ أحد النساخ، مجرد ناسخ واحد!! في أواخر العصور الوسطى، أي خطأ واحد من ناسخ أو كاتب واحد أخطأ في نقل الاسم أو فهم معناه(10)!!

  ويكتب الراهب هيليناندوس  Helinandusشارحاً ومحدداً معنى كلمة جريل grail التي " تعني gradale أو gradalis في الفرنسية طبق dish واسع وضحل توضع فيه الأطعمة غالية الثمن مع صلصتها الثمينة لخدمة الأغنياء، وذلك بالتدريج قطعة بعد أخرى، في ترتيبات مختلفة، وكان معروفاً أيضا في الحديث الشعبي باسم graalz لأنه يرضي (grata) الذين كانوا يأكلون منه، أما لسبب مظهره الجذاب أو لأنه من الفضة أو من معدن ثمين أخر، أو بسبب محتوياته، أي الترتيبات الموضوعة للطعام اللذيذ "(11).   

  وهناك حقيقة هامة وجوهرية لا يجب أن نغفل عنها وهي، أن الكلمة التي استخدمت في أقدم النصوص الخاصة بالجريل Grail في اللغات؛ الفرنسية النورماندية والحديثة والبروفانسية والكاتلانية Catalan القديمة والأسبانية القديمة والإنجليزية القديمة، استخدمت الكلمات التالية، هي ؛Graal ، Greal ، Graaus Grasal، Grazal ، Grazaus، Grisal، Grial، Graal، Grëal،Gréal، Graile، Grayle، أي جريل Grial فقط، وكانت تعني؛ إناء أو طبق، طبق الفصح، أو صينية أو حوض أو كوب أو كأس، كما سنبين. وذلك بدون كلمة؛Seynt, Seint, Saint Sainct, or San أي مقدس أو قديس. ولذا فسنستخدم

كلمة جريل  Grial فقط للتعبير عن هذا الإناء أياً كان المقصود به(12)

  ولذا فالخطأ الذي حول منه أحد الكتاب أو النساخ الكلمة من " San greal " لتصبح " sang real" لا قيمة له لأنه مبني على لاشيء سوى الوهم!!

(2) أصول الكأس المقدسة The Holy Grail:

  وهناك مدرستان تبحثان في الـ Grail، في أصول الجريل The Grial، تقول المدرسة الأولى: أن أسطورة الجريل  The Grialمأخوذة من أسطورة سلتية (هندو أوربية – تشمل الأيرلندية والاسكتلندية والويلزية) وفلكلور سلتي وثني، وقد قدم أحد علماء هذه المدرسة براهين كثيرة تدل على التطابق بين أسطورة الجريل  The Grial والأساطير الأيرلندية والويلزية في العصور الوسطى، وخاصة بين أسطورة المرجل (Cauldron - إناء كبير لتسوية الطعام) والجريل The Gail، وبين أبطال تلك الأساطير وأبطال أساطير الجريل The Grial، وبين المعجزات التي نسبت للمرجل وبين المعجزات التي نسبت للجريل The Grial، مثل معجزات تقديم الطعام الكثير وإحياء الموتى والتنبؤ عن الملوك القادمين 00 الخ(13)

  وتقول المدرسة الثانية أن أساطير الجريل  The Grialبدأت في جو مسيحي خالص كرمز مسيحي، ويقول أحد علماء هذه المدرسة أن أصول هذه الأسطورة كانت موجودة في القرن الثاني عشر في رسوم على حوائط الكنائس في Catalan Pyrenees (منطقة أسبانية في جنوب غرب أوربا)، والتي أنتقلت الآن لمتحف الفن في برشلونة، والتي كانت تقدم صور أيقونية للعذراء القديسة مريم تحمل إناء تشع منه ألسنة من نار، وهي أيقونات تسبق أول رواية أدبية عن الجريل  The   Grial لكريتين دي تروا، ويقول أحد هؤلاء العلماء أن هذه الصور كانت الوحي الأصلي

لأسطورة الجريل (14)The Grial.

  وهناك نظرية حديثة جداً، يقول بها الكثيرون من المعاصرين خاصة علماء اللاهوت الكاثوليك، تقول أن أقدم القصص والتقاليد التي انطلقت منها أسطورة الجريل The Grial في ضوء المسيحية كانت لتعزيز عقيدة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في التناول من الأسرار المقدسة، فقد بدأت ممارسة التناول على أساس كتابي وأكدها آباء الكنيسة وعلماء اللاهوت في القرون الأولى، وعندما أكدت الكنيسة الكاثوليكية على حقيقة حضور المسيح في سر التناول وأنه سر مقدس بدأت قصص الجريل  The Grialتظهر كاحتفال بتجديد تقليد سر التناول في الكنيسة الكاثوليكية الغربية(15).

  ولكن غالبية الدارسين الآن يقبلون المصدرين؛ السلتي الوثني والمسيحي، ويرون أنهما امتزجا معاً وتطورت منهما الأساطير الرئيسية للجريل The Grial، ويقولون أيضاً أن الموضوع الرئيسي للجريل  The Grialفي المسيحية، حتى عندما لا يكون مسيحيا بشكل واضح، إلا أن المادة والتصوير في الأساطير المبكرة مأخوذة من المواد السلتية الممتزجة بروايات الكأس المقدسة The Holy Chalice.

(3) بداية تدوين الأسطورة في الأدب الرومانسي:

  ارتبطت أساطير الجريل The Grail بأساطير الملك أرثر وفرسانه الذين لُقَّبُوا بفرسان المائدة المستديرة، وقد دار جزء كبير من عملهم واهتمامهم وبحثهم عن الكأس المقدسة The Holy Grail، وانتشرت هذه الأساطير فيما بين نهاية القرن الثاني عشر ومنتصف الثالث عشر، وتحديداً فيما بين 1180 – 1240م، أي على مدى حوالي مئة سنة، في أوربا الغربية، وكان أكثرها في فرنسا وذلك إلى جانب نسخ معدلة أو مترجمة في الألمانية والإنجليزية والنرويجية والإيطالية والبرتغالية، وأغلبها كانت مجرد انعكاس للأسطورة الفرنسية.

  وكانت البداية الأولى لتدوين هذه الأسطورة، أسطورة الجريل The Grail، كأسطورة مسيحية في أقدم سجل لها في فرنسا عندما كتب الشاعر الفرنسي كريتين دي ترواChrétien de Troyes، قصيدته الشعرية الأسطورية " Perceval, le Conte du Graal " أو " بيرسيفال، قصة الكأس "، والتي تكونت من 9,000 بيتٍ من الشعري، وذلك فيما بين سنة 1180 و 1191م. هذه القصيدة الأسطورية انتهت بشكل فجائي قبل أن يكمل ما بدأه. كما لم تتضح فيها صورة الجريل The Grail سوى في وصفه لرؤية بطل الأسطورة بيرسيفال Perceval للـ graal مزين بشكل متقن في القلعة التي دخلها، وهو إناء أو طبق واسع وعميق إلى حد ما. وقال هذا الشاعر أنه أخذها من كتاب حقيقي أعطاه له رئيسة الكونت فيليب فلاندرز.

  ولم يكن جريل Grail كريتين كأساً Chalice بل صحنا dish أو طبقاً platter واسعاً وعميقاً إلى حد ما، وعندما رآه بيرسيفال للمرة الأولى لاحظ فيه شيئاً يضيء الحجرة بإضاءة رائعة، فقد كان الجريل يحتوي على قربان مقدس، قربان الأفخارستيا، هذا القربان

- 60 -