المطران كيرلس سليم بسترس

 

 

مقدّمة
قانون الإيمان
البَابُ الأوّل مَدخلٌ عام إلى الأسْرَار
أولاً- يسوع المسيح الكلمة المتجسّد هو سرّ الله
1- سرّ الكائنات
2- في يسوع المسيح اعتلن سرّ الله
3- تعريف السرّ في اللاهوت المسيحيّ
ثانيًا- الكنيسة والأسرار استمرار المسيح
1- الكنيسة سرّ المسيح
2- الأسرار استمرار التجسّد
3- الأسرار تسهم في تحقيق "المسيح الكونيّ "
ثالثًا- تأسيس الأسرار وعددها
رابعًا- فاعليّة الأسرار كيفيّة عملها
1- العلامات والرموز والطقوس
2- كيف يتمّ عمل الأسرار؟
3- ضرورة الأسرار بالمقارنة مع الصلاة والعمل
4- حضور المسيح في الأسرار
5- الوسم السرّيّ: أوليّة مبادرة الله وثبات اختياره
خامسًا- الأسرار والإيمان والحياة
1- الأسرار والإيمان في العهد الجديد
2- الأسرار تعبير عن الإيمان
3- الأسرار والحياة والتألّه
خلاصة
البَابُ الثاني سِرُّ المعمُوديَّة
الفصل الأول: نشأة المعموديّة المسيحيّة
أولاً- الوضوءات والاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنيّة وفي العهد القديم
1- الاستحمامات المقدّسة في الديانات الوثنيّة
2- الوضوءات في الديانة اليهوديّة
3- وضوءات الأسّينيّين
ثانيًا- المعموديّة في الإنجيل المقدّس
1- معموديّة يوحنا المعمدان
2- اعتماد يسوع
3- المعموديّة في أثناء حياة يسوع
4- وصيّة يسوع بعد قيامته بتعميد الأمم
ثالثًا- المعموديّة في "أعمال الرسل"
1- التوبة والمعموديّة بالماء لمغفرة الخطايا
2- المعموديّة باسم يسوع المسيح
3- المعموديّة بالروح القدس
4- صيغة المعمودية في الكنيسة الأولى
الفصل الثاني: معاني المعموديّة وأبعادها
أولاً- المعموديّة ولادة جديدة واشتراك في حياة الله
1- الولادة الجديدة "من فوق"
2- التألّه
3- الخلق الجديد
4- التبنّي
الاسم والختم
ثانيًا- المعموديّة اشتراك في موت المسيح وقيامته
1- آدم القديم وآدم الجديد
2- العماد بالتغطيس
3- المعموديّة عودة الإنسان إلى طبيعته الأصليّة
ثالثًا- المعموديّة انضمام إلى الكنيسة جسد المسيح
1- المعموديّة والختان
2- المعموديّة والكنائس المتعدّدة
رابعًا- "نعمة" المعموديّة و"مفاعيلها" و"حرّيّة" الإنسان
1- المعموديّة والإيمان
2- معموديّة الأطفال
3- ضرورة المعموديّة وخلاص غير المعمَّدين
4- ديناميكيّة المعموديّة
خامسًا- معموديّة الدم ومعموديّة الشوق
1- معموديّة الدم
2- معموديّة الشوق
الفصل الثالث: رتبة المعموديّة وطقوسها
أولاً- إعلان الإيمان
1- الصلاة لأجل الإيمان
2- إعلان الإيمان من قبل المعتمد
ثانيًا- تقديس الماء والزيت
1- تقديس الماء
2- تقديس الزيت ومسح المعتمد به
ثالثًا- التغطيس بالماء
1- طريقة العماد
2- صيغة العماد
رابعًا- ارتداء الثوب الجديد
البَابُ الثالِث سِوُّ الميرُون أو التثبيت
توطئة
أولاً- سرّ الميرون في الكتاب المقدّس
1- رموز الميرون في العهد الجديد
2- مثال السيّد المسيح
3- مثال الرسل
ثانيًا- سرّ الميرون في تاريخ الكنيسة وتعليم الآباء
1- في الشرق
2- في الغرب
ثالثًا- رتبة سرّ الميرون
1- في الطقس البيزنطيّ
2- في الطقس المارونيّ
3- مادة سرّ مسحة الميرون
رابعًا- أبعاد سرّ الميرون ومعانيه
1- ختم موهبة الروح القدس
2- التثبيت في الإيمان والقداسة
3- الاشتراك في كهنوت المسيح الملوكيّ
خلاصة
البَابُ الرَّابع سِرُّ الإفخارستيَّ
مقدّمة
الفصل الأول: الإفخارستيّا سرّ الشكر لله الآب الذبائح والقرابين في الأديان عامة وفي العهد القديم
أولاً- الذبائح والقرابين في الأديان عامة
1- التقدمة
2- الذبيحة
3- التناول من الذبيحة لتحقيق الشركة مع الله
ثانيًا- الذبائح والقرابين في العهد القديم
1- الذبائح والقرابين عامة
2- ذبيحة العهد على يد موسى
ثالثًا- الفصح في العهد القديم
1- تاريخ عيد الفصح
2- معاني عيد الفصح
3- مراسيم عيد الفصح
خاتمة
الفصل الثاني: الإفخارستيّا سرّ حضور يسوع المسيح
مقدّمة
أولاً- الإفخارستيّا سرّ حضور كلمة الله
1- الإفخارستيّا والكلمة
2- الإفخارستيّا والملكوت
3- العهد بالكلمة
ثانيًا- الإفخارستيّا سرّ حضور العشاء الأخير
1- رواية في أربعة نصوص
2- معنى العشاء الأخير
ثالثًا- الإفخارستيّا سرّ الاشتراك في ذبيحة يسوع المسيح على الصليب
رابعًا- الإفخارستيّا سرّ الإشتراك في قيامة المسيح
1- الإفخارستيّا سرّ الإيمان بقيامة المسيح
2- الإفخارستيّا سرّ الاشتراك في حياة المسيح القائم من بين الأموات
خامسًا- "حضور المسيح الحقيقيّ" في سرّ الإفخارستبَا
1- اللاهوت الكاثوليكي التقليديّ
2- لاهوت الكنيسة البروتستنتيّة
3- اللاهوت الأرثوذكسيّ
4- لاهوت الآباء
5- محاولات اللاهوتيّين المعاصرين
الفصل الثالث: الإفخارستيّا سرّ حضور الروح القدس لتكوين جسد المسيح
أولاً- عمل الروح القدس في تحويل القرابين
1- استدعاء الروح القدس في الليتورجيّا
2- تعليم الآباء
3- وثيقة ميونيخ
ثانيًا- الإفخارستيّا سرّ حضور الكنيسة
1- الكنيسة تقيم الإفخارستيّا
2- الإفخارستيّا تكوّن الكنيسة
ثالثًا- الإفخارستيّا والملكوت الاسختولوجيّ
1- الاسختولوجيا في العشاء السرّي
2- انتظار الفصح الأبديّ في الكنيسة الأولى
3- الملكوت وعربون الروح
4- بالإفخارستيّا تدخل الكنيسة في الاسختولوجيا
خلاصة: "إصنعوا هذا لذكري!"
البَابُ الخامِس سِرُّ التّوبَة وَالمُصَالَحة
مقدّمة
الفصل الأول: من الشعور بالذنب إلى وعي الخطيئة
1- الشعور بالذنب
2- وعي مسؤوليّة الذنب أمام الذات
3- وعي الخطيئة
الفصل الثاني: التوبة ومغفرة الخطايا
أولاً- التوبة ومغفرة الخطايا في رسالة الأنبياء ورسالة السيّد المسيح
ثانيًا- التوبة المسيحيّة
1- التوبة المسيحيّة دخول في ديناميكيّة محبة الله
2- التوبة المسيحيّة اشتراك في فصح المسيح الخلاصيّ
ثالثًا- سرّ التوبة
1- سرّ التوبة في تاريخ الكنيسة
2- عناصر سرّ التوبة وأبعاده اللاهوتيّة
خلاصة
البَابُ السَّادس سِرُّ الزَيت المقدّس أو مسحَة المرضى
مقدّمة
أولاً- سرّ مسحة المرضى في تاريخ الخلاص
ثانيًا- نعمة سرّ مسحة المرضى

1- الاتحاد بسرّ المسيح
2- مفعول السرّ: شفاء الجسد أم خلاص النفس؟
ثالثًا- خادم السرّ
رابعًا- لمن يمكن منح سرّ مسحة المرضى؟
1- المرضى
2- التائبون
3- الأطفال والمجانين
خامسًا- رتبة مسحة المرضى
1- مادّة مسحة المرضى
2- صلوات السرّ
3- الاحتفال بهذا السرّ بطريقة جماعيّة
خلاصة
البَابُ السَّابع سِرُّ الزّواج المقدّس
مقدّمة
أولاً- النظرة المسيحيّة إلى الزواج
1- إنشاء الزواج في الفردوس
2- الزواج صورة الله
3- غاية الزواج
ثانيًا- نعمة سرّ الزواج
1- الدخول في سرّ محبة المسيح للكنيسة
2- الأسرة كنيسة بيتيّة
3- الزواج سرّ الملكوت
ثالثًا- التشريع المسيحيّ في الزواج
1- تعدّد الزوجات
2- الطلاق
3- الزواج الثاني بعد الترمّل
رابعًا- رتبة سرّ الزواج
1- الزواج أمام الكنيسة
2- خادم سر الزواج
3- رموز رتبة الزواج
خلاصة
البَابُ الثامِن سِرُّ الكَهنُوت
مقدّمة
الفصل الأول: الخدمة الكهنوتيّة في العهد الجديد
أولاً- الخِدَم في العهد الجديد
1- لمحة تاريخيّة
2- مبادئ العهد الجديد في الخدمة الكهنوتيّة
ثانيًا- ناحية العبادة في الخدمة الكهنوتيّة
الفصل الثاني: الخدمة الكهنوتيّة في تاريخ الكنيسة
1- الآباء الرسوليّون (95- 150 ب. م.)
2- الكنيسة في القرنين الثاني والثالث
3- الكنيسة بعد قسطنطين
4- الكنيسة في القرون الوسطى
5- الكنيسة المعاصرة: المجمع الفاتيكاني الأول والمجمع الفاتيكاني الثاني
الفصل الثالث: النظرة اللاهوتيّة إلى الخدمة الكهنوتيّة
أولاً- كهنوت المؤمنين وكهنوت الخدمة
1- كهنوت المؤمنين المشترك
2- كهنوت الخدمة الراعويّة
ثانيًا- أبعاد الخدمة الكهنوتيّة
1- خدمة الكلمة
2- خدمة الأسرار
3- قيادة شعب الله- خدمة الرعاية
ثالثًا- كهنوت الخدمة سرّ من أسرار الكنيسة
1- لماذا نعتبر الكنيسة الخدمة الكهنوتيّة سرًّا؟
2- رتبة سرّ الخدمة الكهنوتيّة
3- درجات سرّ الخدمة الكهنوتيّة
4- وسم السرّ الكهنوتيّ
رابعًا- كهنوت الخدمة والزواج
1- لمحة تاريخيّة
2- النظرة اللاهوتيّة للموضوع
خلاصة
البَاب التاسع الحَيَاة في الدّهْرِ الآتي
مقدّمة
الفصل الأول: تعليم الكتاب المقدّس
أولاً- العهد القديم ورجاء شعب الوعد
1- شعب الوعد والمستقبل المفتوح أمامه
2- النظرة إلى المستقبل في تعليم الأنبياء
ثانيًا- الحياة في الدهر الآتي من خلال تعليم يسوع وخبرة حياته
1- تعليم يسوع في رجاء حياة الدهر الآتي
2- رجاء يسوع الشخصيّ
3- الرجاء المسيحيّ في الكرازة الرسوليّة
ثالثًا- مبادئ لتفسير لغة الكتاب المقدّس: أساليب التعبير الدينيّة
1- اللغة الدينيّة
2- النقد الأدبيّ وتفسير النصوص
الفصل الثاني: رجاؤنا المسيحيّ اليوم
أولاً- السماء
1- الرجاء المسيحيّ على هذه الأرض
2- الرجاء المسيحيّ في "الدهر الآتي"
ثانيًا- المطهر
ثالثًا- جهنّم
1- ما هي جهنّم؟
2- أبديّة جهنّم
خلاصة
خاتمة

مُقدّمَة

هذا الجزء هو الثالث من مجموعتنا "اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر"، التي أردناها تفسيرًا موجزًا وواضحًا لأهمّ مواضيع اللاهوت العقائديّ، حسب تصميم قانون الإيمان.
ففي الجزء الأول، بحثنا في الإيمان بالله الواحد، ثم في الخلق والخطيئة الأصليّة، ثم في يسوع المسيح ابن الله.
وفي الجزء الثاني عالجنا موضوع الروح القدس والثالوث الأقدس، ثم موضوع النعمة والتألّه، ثم موضوع الكنيسة.
في هذا الجزء الثالث نعالج موضوعَي أسرار الكنيسة والحياة في الدهر الآتي. فنبدأ ببحث في الأسرار بنوع عام، نحدّد فيه معنى الأسرار في تاريخ الخلاص وفي حياة المسيحي. ثمّ نتناول كلاًّ من الأسرار السبعة على حدة، فنعرض لجذوره في الكتاب المقدّس، ثمّ لتطوّره في تاريخ الكنيسة ثمّ لمعانيه اللاهوتيّة ثمّ لممارسته في الطقوس الكنسيّة.
ونختم بتفسير ما جاء في نهاية قانون الإيمان: "ونترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي". إنّ أسرار الكنيسة التي نحياها بالإيمان على هذه الأرض هي استباق لما سنحياه في الدهر الآتي في مشاهدة الله وجهًا الى وجه، كما جاء في قول بولس الرسول: "الآن ننظر في مرآة، أمّا حينئذ فوجهًا الى وجه" (1 كو 13: 12).
نهدي هذه الصفحات الى طلاب اللاهوت في لبنان وسائر بلدان المشرق الناطقة باللغة العربية، لمساعدتهم على التعمّق في إيمانهم المسيحي، وعلى التعبير عنه والشهادة له بلغة وأسلوب يتلاءمان وتطلّبات الانسان المعاصر.
4 كانون الأول 1987 عيد القديس يوحنا الدمشقي
الأب سليم بسترس

قَانونُ الإيمَان

وُضع هذا القانون في المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة 381. وهو يعيد، في قسمه الأول حتى عبارة "وبالروح القدس"، قانون الإيمان الذي أعلنه المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325
نؤمن بإله واحد، آبٍ ضابطِ الكل، خالقِ السماءِ والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى.
وبربٍّ واحد يسوعَ المسيح، إبنِ اللهِ الوحيد، المولودِ من الآب قبلَ كل الدهور، نورٍ من نور، إلهٍ حقّ من إلهٍ حقّ، مولودٍ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كلُّ شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس، وصُلب عنّا على عهد بيلاطسَ البنطيّ، وتألّم وقُبِر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السماء، وجلسَ عن يمين الآب، وأيضاً يأتي بمجدٍ عظم ليدين الأحياءَ والأموات، الذي لا فناء لمُلكه.
وبالروح القدُس، الربِّ المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجودٌ له وممجّد، الناطقِ بالأنبياء.
وبكنيسةٍ واحدة، جامعة، مقدّسة، رسوليّة.
ونعترف بمعموديةٍ واحدة لمغفِرة الخطايا.
ونترجّى قيامةَ الموتى، والحياةَ في الدهر الآتي آمين.
 

البَابُ الأوّل مَدخلٌ عَام إلى الأسْرَار

أوّلاً- يسوع المسيح الكلمة المتجسّد هو سرّ الله

1- سرّ الكائنات

تعني لفظة سرّ بالمعنى العام ما خفي على الإنسان. وسرّ الأشياء هو حقيقتها العميقة التي تخفى على الأنظار. كل ما في الكون يحمل بُعدَين: بُعداً ظاهراً للعيان، وبُعْداً خفيًّا لا يمكن بلوغه إلاّ بالتأمّل فيه طويلاً لسَبر أغواره الدفينة.
والله، الذي ليس هو الكائن الأعظم وحسب، بل الكيان بالذات، هو السرّ الأكبر، إذ ليس فيه شيء ظاهر، إنّما هو نفسه عمق الأشياء وعمق الكون بأسره.
في هذا المعنى نقرأ في العهد الجديد قول يسوع لتلاميذه: "أنتم أُعطيتم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله. أمّا الذين من الخارج فيسمعون كل شيء بالأمثال" (مر 4: 11). إنّ سرّ ملكوت الله هو حقيقته العميقة المخفيّة على الناس الذين من الخارج. أمّا التلاميذ الذين آمنوا بالمسيح فقد كشف لهم حقيقة ملكوت الله الخفيّة، وأعلن أمامهم سرّ الله.
وبسبب ارتباط لفظة سرّ بعمق الأشياء، استعملت الأديان القديمة تلك اللفظة للإشارة إلى الطقوس والممارسات التي توصل الإنسان إلى الاتحاد بعمق الكائنات. وفي هذا المعنى نفسه يرى أفلاطون في السرّ "العقيدة التي نبلغ بالإنسان إلى التأمّل في كيان الله".

2- في يسوع المسيح اعتلن سرّ الله

لقد آمن الرسل والكنيسة الأولى أنّ سرّ الله، أي حقيقته المخفيّة التي لا يمكن أيّ عقل بشري إدراكها، قد اعتلن لنا في شخص يسوع المسيح. وهذا ما يؤكّده العهد الجديد في تعابير مختلفة. فيسوع المسيح هو سرّ الله، وصورة الله، وكلمة الله، وقد عمل هو نفسه عمل الله.

أ) يسوع المسيح هو سرّ الله

نقرأ في مقاطع متعددة من رسائل بولس أنّ يسوع المسيح هو نفسه "سرّ الله"، فيقول في رسالته إلى الكولسيين إنّ الله قد انتدبه ليبشّر "بكلمة الله كاملة، بالسرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور والأجيال، وأُعلن الآن لقدّيسيه الذين شاء أن يعلمهم ما هو، في الأمم، غنى مجد هذا السرّ، الذي هو المسيح فيكم، رجاء المجد" (كو 1: 25- 27). ثمّ يضيف: "أريد أن تعرفوا أيّ جهاد عنيف أُعاني لأجلكم، ولأجل الذين في اللاذقية، ولأجل كثيرين آخرين لم يروا قطّ وجهي في الجسد، لتتشدّد قلوبهم، حتى إذا ما التأموا في المحبة، يبلغون إلى الفهم الكامل بكلّ غناه، والى معرفة سرّ الله، أي المسيح، المكنونة فيه جميع كنوز الحكمة والعلم" (كو 2: 1- 3).
إنّ السرّ الذي كان مكتوماً منذ الدهور، وأُعلن الآن للقدّيسين هو المسيح نفسه. فمن يعرف المسيح يعرف سرّ الله، لأنّ جميع كنوز الحكمة والعلم مكنونة في المسيح.
كذلك يدعو بولس المسيح "سرّ التقوى": "إنّه لعظيم، ولا مراء، سرّ التقوى، الذي تجلّى في الجسد، وشهد له الروح، وشاهدته الملائكة، وبُشِّر به في الأمم، وآمن به العالم، وارتفع في مجد" (1 تي 3: 16)
وفي رسالته إلى الأفسسيّين يفسّر سرّ المسيح: "إنّكم قد سمعتم، ولا شك، كيف قسّم لي الله النعمة التي أُعطيتُها لأجلكم. فإني بوحي أُوتيتُ معرفة سرّه، على حدّ ما كتبت قبلاً بالإيجاز، فيمكنكم، إذا ما قرأتموني، أن تدركوا ما هو فهمي لسرّ المسيح. فهذا السرّ لم يُعلَن لبني البشر، في الأجيال السابقة، كما أعلنه الآن الروح لرسله القدّيسين وأنبيائه: أي إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد، وأعضاء في الجسد الواحد، وشركاء في الموعد الواحد، في المسيح يسوع بالإنجيل..." ثمّ يضيف: "أجل، لي، أصغر أصاغر القدّيسين جميعاً، قد أُعطيت هذه النعمة: أن أُبشّرَ في الأمم بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، وأوضحَ للجميع ما تدبير هذا السرّ، المكتومِ منذ الدهور في الله الخالق كل شيء، لكي تتجلّى الآن للرئاسات والسلاطين في السماوات، بواسطة الكنيسة، حكمةُ الله بوجوهها العديدة" (أف 3: 2- 10).
من هذا النص نستنتج أنّ القول بأنّ المسيح هو سرّ الله يعني أنّه في المسيح تجلّى سرّ الله وقصد الله وحكمة الله، وفي المسيح يتحقّق هذا السرّ وهذا القصد وهذه الحكمة: أي "إنّ الأمم هم من أهل الميراث الواحد". وهذا ما يؤكّده بولس في الفصل الأوّل من الرسالة عينها: إنّ الله قد أعلن لنا "سرّ مشيئته الذي سبق فقصده في نفسه، ليحقّقه عند تمام الأزمنة: أي أن يجمع تحت رأس واحد في المسيح كلّ شيء، ما في السماوات وما على الأرض" (أف 1: 9- 10).
إنّ سرّ الله قد كشفه لنا المسيح نفسه. والرسل قد ائتُمنوا ليوضحوا هذا السرّ ويحقّقوه في الكنيسة (راجع أيضاً رو 16: 25- 27).
 

ب) يسوع المسيح هو "صورة الله"

هناك تعبير آخر استعمله العهد الجديد للدلالة على أنّ سرّ الله قد اعتلن للعالم في يسوع المسيح، وهو تعبير صورة الله. تقول الرسالة إلى العبرانيين
"إنّ الله، بعد إذ كلّم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتّى الطرُق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضا&