عوض سمعان

 الباب الثالث

الاعتراضات والرد عليها

في هذا الباب نرى

1 - الاعتراضات الفلسفية، والرد عليها

2 - الاعتراضات الدينية، والرد عليها

 

الفصل الأول

الاعتراضات الفلسفية، والرد عليها

هناك أدلة دينية وعقلية وتاريخية لا حصر لها، ذكرنا بعضها فيما سلف، وسنذكر البعض الآخر فيما يلي، تثبت أن المسيح كان شخصاً حقيقياً عاش على أرضنا، وأن سيرته هي نفس السيرة المدوَّنة في الإنجيل الذي بأيدينا، الأمر الذي يدل على أنه هو الله ظاهراً في الجسد. ولذلك يحق لنا ألا نقيم وزناً لأي اعتراض يُوجّه ضد حقيقة شخصه الكريم. لكن نظراً لتأثر بعض البسطاء بما يسمعونه من الاعتراضات، نوجّه نظر الجميع من أول الأمر، إلى أن عدداً كبيراً من مدّعي الفلسفة قد أنكر في السنوات الأخيرة وجود الله، وبالتالي أنكر كل وحي. ثم أخذ يسعى بكل ما لديه من جهد لمقاومة المسيحيّة، إما لعدم قدرته على فهم عقائدها، أو لتعارض مبادئها مع ميوله وأهوائه. ولذلك ادّعى أن هذه العقائد ليست أصلية أو حقيقية، بل أنها مقتبسة من أساطير الوثنيين. وليثبت صدق إدعائه، راح يضيف إلى هذه الأساطير ويحذف منها ما شاء، حتى تبدو، حسب وجهة نظره، مماثلة للعقائد المسيحيّة من بعض الوجوه. فيجب على الباحث المدقق إذن أن يرجع إلى الكتب العلمية الصادقة، ليعرف الحقيقة كما هي. وهذا ما فعلته قبل أن أكتب هذا الكتاب، فقد درستُ كل ما عثرت عليه من هذه الكتب، ودرست معها تعليقات مؤلفيها، التي أرادوا بها، حسب وجهة نظرهم، إيجاد شبَه بين المسيحيّة والوثنية، فوجدتُ أن الكتب الأخيرة، على الرغم من هذه التعليقات، تختلف في مادتها عن كتب مدَّعي الفلسفة اختلافاً كبيراً. وعلى ضوء الحقائق الصادقة التي وصلتُ إليها أذكر فيما يلي اعتراضات المعترضين، ثم أذكر معها الرد المناسب عليها:

1 - يعتقد فريق من وثنيي الهند أن الإله فشنو تجسد في كرشنا، ليخلِّص العالم من خطاياه اللاحقة به، وأنه عندما ثقب جنب كرشنا بالحربة، قال للصياد الذي رماه بالنبلة، وهو مصلوب: اذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة . ثم مات. وعند موته حدثت مصائب عظيمة، وأحاطت بالقمر هالة سوداء، وأظلمت الشمس في وسط النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً. وبعد ذلك قام كرشنا من الأموات، ثم صعد بجسده إلى السماء، وكثيرون شاهدوه صاعداً إليها. كرشنا هو الأول والوسط والآخِر، وهو الذي يدين الأموات في اليوم الأخير. ويعتقد هذا الفريق أيضاً، أنه في حضور أرجونا (أحد أتباع كرشنا) تبدّلت هيئة كرشنا، وأضاء وجهه كالشمس، ومجد العلي اجتمع في إله الآلهة، فأحنى أرجونا رأسه تذللاً ومهابة، وتكتّف تواضعاً واحتراماً، وقال: الآن رأيتك على حقيقتك، وإني أرجو يا رب الأرباب. فعدْ واظهر علي ناسوتك ثانية، أنت المحيط بالكون. كرشنا تنازل رحمة ووداعة، وغسل أرجل البرهميين. وهو الكاهن العظيم، وهو العزيز القادر الذي ظهر بالناسوت، وهو البطل الوديع الذي قدّم نفسه ذبيحة.

الرد: (أ) إن ما يسميه المعترض تجسداً لفشنو، هو التقمُّص الذي كان معروفاً في الهند وغيرها من البلاد الوثنية. فقد ورد في الأساطير الهندية أن فشنو الذي يحدّثنا عنه المعترض حلَّ أولاً في ماتيسا (سمكة)، وثانياً في كورما (سلحفاة)، وثالثاً في قزاها (خنزير)، ورابعاً في نارسيما (أسد)، وخامساً في فامان (قزم)، وسادساً في ماراسونا (فأس)، وسابعاً في داساراثارما (الوجه القمري)، وثامناً في كرشنا (الإله المظلم)، وتاسعاً في البوذا (المستنير)، وأنه سيحلُّ للمرة العاشرة عند انتهاء العالم في كالكي، الذي هو (الزمن)، كما يقول بعض العلماء.

والتقمّص كما يعتقد الوثنيون، هو انتقال روح الإنسان بعد موته إلى أجساد الحيوانات أو الناس، لتتطهر، حسب زعمهم، من خطاياها. وهو كذلك حلول آلهتهم في بعض الناس أو الحيوانات أو النباتات لأغراض خاصة. أما التجسّد، كما هو معروف في المسيحيّة، فيختلف كل الاختلاف عن التقمّص والحلول، كما اتضح لنا مما سلف.

ولحلول فشنو في كل كائن من هذه الكائنات سبب عند الوثنيين، ولا يتسع المجال أمامنا لذكر كل سبب من هذه الأسباب، ولكن نقول على سبيل المثال، إنهم يعتقدون أن فشنو قد تقمّص سلحفاة ليستطيع أن يسبح في الماء ويصل إلى فقاعة خاصة فيه، عبارة عن أنثى جميلة، أحبها فشنو وأراد أن يقترن بها.

ولا يُسنَد ما يدعوه المعترض تجسداً عند الوثنيين إلى فشنو وحده، بل إلى كثير من الآلهة غيره. فيقول الهنود عن سيفا إنه حلَّ في أحد عشر حيواناً، كلها مخيفة ومرعبة. ولعل هذا هو السبب الذي من أجله سُمِّي رب الحيوانات . وحلول الآلهة، كما يعتقد الوثنيون، لا يكون في البشر والحيوانات فقط، بل وفي النباتات والجمادات أيضاً. كما أنه لا يكون بدرجة واحدة في كل حالة من الأحوال، بل يكون بدرجات متفاوتة. فهم يعتقدون أن الحلول الأول هو ظهور صفات الإله في بعض هذه الكائنات، والحلول الثاني هو ظهور ثُمْن الإله، كما حدث في حالة (لكشامانا)، والحلول الثالث هو ظهور رُبْع الإله، كما حدث في حالة (بهاراتا)، والحلول الرابع هو ظهور نصف الإله، كما حدث في حالة (راما)، والحلول الخامس هو الظهور الكامل، كما حدث في حالة (كرشنا).

والسبب في حلول فشنو في كرشنا يرجع، كما يزعمون، إلى أن الآلهة ذهبت مرة إلى فشنو، وشكت له ظلم الملك (لانكا) وغيره من الملوك العتاة، فوعدهم أنه سيحل في إنسان ويقضى على (لانكا) وعلى الملوك العتاة معه ويخلِّص البلاد من ظلمهم. هذا هو ما يقول عنه المعترض إنه التجسّد الذي اقتبس منه المسيحيون عقيدتهم. فيا لها من مغالطة، بل ويا لها من مكابرة! ففكرة حلول فشنو في كرشنا، فضلاً عن أن المراد بها هو تقمّصه فيه، هي فكرة أرضية صاغها خيال الوثنيين للتنفيس عن كراهيتهم لظلم لانكا. وما أبعد هذه الفكرة عن عقيدة التجسّد المسيحية، والتي يُراد بالتجسّد فيها المعنى الحرفي للتجسّد، والتي تظهر محبة الله المطلقة للناس، وتنازله بالظهور لهم ليستطيعوا الاقتراب منه، والتوافق معه في صفاته الكريمة السامية.

(ب) قول المعترضين إن الوثنيين يعتقدون أن كرشنا يخلِّص العالم من الخطايا اللاحقة به، ليس له أساس في الأساطير الوثنية، بالمعنى الذي نفهمه من الخلاص، لأن كرشنا هذا، كان هو نفسه كتلة من الخطايا، إذ كان يرتكب شروراً وآثاماً لم يرتكب غيره مثلها، حتى اعتُبر عند الوثنيين إله الشهوة والمظهر المتجسِّد لها .

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذ قيل عن كرشنا إنه يخلِّص العالم من خطاياه اللاحقة به؟

الجواب: إن الخلاص من الخطيئة، في نظر أتباع كرشنا وغيره من آلهة الوثنيين، ليس هو التحرر من سلطانها والنجاة من قصاصها، كما تنادي المسيحية، بل هو الانغماس في الخطيئة إلى آخر حدود الانغماس، لأن هذا المدى من الانغماس، كما يعتقدون، يطهِّر النفس ويجعلها أكثر قرباً من الآلهة. فاستخدم المعترض هذا المعنى النجس، ودون أن يشير إلى التناقض بينه وبين معنى الخلاص في المسيحية، وقال إن وثنيي الهند يعتقدون أن كرشنا يخلّص العالم من الخطايا، كما يقول المسيحيون عن المسيح، وذلك ليُدخل في روع البسطاء منهم أن معتقداتهم مقتبسة من الوثنية.

أما إذا كان المعترض يجهل معنى الخلاص من الخطيئة في الوثنية، فربما يكون الدافع له للقول إن كرشنا يخلّص العالم من الخطايا، يرجع إلى أنه عندما قرأ في الأساطير أن فشنو حلَّ في كرشنا ليخلّص العالم من ظلم (لانكا) وغيره من الملوك، (كما ذكرنا فيما سلف)، وكان يضمر في نفسه أن يخلع شخصية المسيح على بعض آلهة الوثنيين ليُدخل في روع المسيحيين أن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً، بل أن سيرته مقتبسة من الأساطير الوثنية، سوَّلت له نفسه أن يقتبس من الأساطير عبارة كرشنا يخلص العالم (التي يُقصد بها في الأصل تخليصه من ظلم لانكا وغيره من الملوك)، وأن يضيف إليها من عنده عبارة قدَّم نفسه ذبيحة ليتقن الدور الذي يريد تمثيله. مع أن كرشنا، كما يعلم جميع العارفين بالأساطير، لم يقدِّم نفسه ذبيحة لخلاص العالم، بل قدَّم نفسه ذبيحة لإشباع أهوائه وشهواته، فقد عاش حياة الدنس والفساد حتى فارق الحياة.

(ج) إذا تأملنا القصة التي أوردها المعترض عن كرشنا، وجدنا فيها التلفيق واضحاً جلياً. فالمعترض يحاول جهد الطاقة أن يُدخل في روع المسيحيين أن الوثنيين كانوا يعتقدون أن كرشنا صُلب لأجل خلاص العالم، كما يقولون هم عن المسيحيين. ويريد في الوقت نفسه أن يذكر شيئاً عن الطريقة الحقيقية التي مات بها كرشنا ليوفِّق، حسب وجهة نظره بين الحقيقة وبين غرضه، حتى يعتبر نفسه صادقاً فيما رواه، فكشف بذلك عن سوء نيّته وتزويره للحقائق دون أن يدري. فما العلاقة بين الحربة والنبلة؟ وما العلاقة بين صيّاد الطيور ومن يستعمل الحربة؟ وما الداعي لإيراد عبارة وهو مصلوب بعد كلمة بالنبلة ؟ هل هذا هو موضعها الصحيح، أم أنها حُشرت في هذا الموضع حشراً، لمجرد لفت النظر إليها؟ وهل كان الصلب معروفاً في الهند أم كان معروفاً في بلاد الرومان وحدها، كما يقول المؤرخون؟

وليعرف القارئ شيئاً عن الكيفية التي مات بها كرشنا، حتى يتضح له تلفيق المعترض للحقائق، نقول إن الأساطير الهندية ذكرت أن كرشنا كان يسير مرة على شاطئ نهر، وكان بجوار الشاطئ غابة يدخلها الصيادون من وقت إلى آخر لصيد الطيور والحيوانات، فحدث مرة أن أخطأ أحدهم المرمى، فنفذت حصاته، كما يقول بعض الرواة، أو سهمه، كما يقول بعض آخر، إلى مقتلٍ من كرشنا، فسقط لساعته على الأرض ومات.

أما القول إن كرشنا قد قال للصياد: إذهب أيها الصياد محفوفاً برحمتي إلى السماء مسكن الآلهة فليس له أساس في الأساطير. وهو دليل على أن المعترض قد اقتبس من الإنجيل قول المسيح للص التائب: اليوم تكون معي في الفردوس ، وصاغه بما يتفق مع الرواية التي اختلقها، ليتقن الدور الذي يريد تمثيله.

(د) ولا يتسع لنا المجال للرد على كل عبارة من عبارات المعترض الباقية، ولذلك نكتفي بالقول إنها كلها مختلقَة، فالأساطير الوثنية لم تذكر مطلقاً أنه عند موت كرشنا حدثت مصائب، أو أنه هو الذي يدين الأموات، أو أنه إله الآلهة ورب الأرباب، أو أنه كان وديعاً، أو أنه غسل أرجل البرهميّين، أو أن وجهه قد ضاء مرة، أو... أو... الأمر الذي يدل بوضوح على أن المعترض، أراد أن يُلبس كرشنا ثوب المسيح، على الرغم من التناقض الذي لا حدَّ له بينهما، ليوهم البسطاء أن العقائد المسيحيّة مقتبسة من الوثنية.

2 - يعتقد البوذيون أن بوذا إلهٌ ترك الفردوس مرة، وجاء إلى العالم في ناسوت، ليبرّر الناس من خطاياهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه بسببها. وفي أواخر أيامه، نزل عليه بغتة نور أحاط برأسه بهيئة إكليل، وانبعث من جسده نور عظيم فصار كتمثال من ذهب برّاق. وحين رأى الحاضرون هذا التبدّل في هيئته، قالوا: ما هذا بشر، إن هو إلا إله عظيم. كما يعتقد هؤلاء البوذيون أنه بعد موت بوذا، صعد جسده إلى السماء.. وكانت آخر عبارة نطق بها هي: دعوا الآثام التي ارتُكبت في هذا العالم تقع عليّ، ليَخْلُص العالم من قصاصها .

الرد: (أ) يتجاهل المعترض كعادته الأساطير الهندية. وكل ما يفعله هو اقتباس عبارة منها ليزجَّ بها وسط القصة التي يريد تأليفها عن الشخصية التي اختارها ليُلبسها ثوب المسيح. وفي سبيل تأليف تلك القصة لا يتورَّع أن يسند إلى هذه الشخصية أعمالاً لم تعملها، وأقوالاً لم تنطق بها، بل وحياةً تتعارض مع حياتها كل التعارض، وذلك ليدخل في روع المسيحيين أن المسيح لم يكن شخصاً حقيقياً، بل أن سيرته اقتبسها قادتهم من الأساطير الوثنية. فمثلاً استعار كلمة حلَّ الواردة في الأساطير بمعنى تقمّص ، وصاغها في الأسلوب المسيحي: جاء في ناسوت متجاهلاً أسماء الكائنات التي قالت الأساطير إن بوذا قد حل أو تقمّص فيها، ولكن ما تجاهله وأخفاه عن القراء، نذكره نحن هنا لتتجلى لهم الحقيقة. فقد جاء في هذه الأساطير أن بوذا حلَّ في أسد، ثم في فيل أبيض، ثم في كاهن، وأخيراً في قرد...!!

فضلاً عن ذلك، فقوله إن بوذا قال إنه أتى إلى العالم ليبرّر الناس من خطاياهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه بسببها هو محض اختلاق، لأن بوذا كان قد رفض نظام الذبائح الكفارية رفضاً تاماً، ونادى بأنه يجب على الإنسان أن يرتقي بنفسه فوق شهواته وأهوائه، وأن من لا يفعل ذلك لا يرتقي إلى الطور الرابع، وهو طور النرفانا . ولذلك كانت كلماته الأخيرة لأتباعه هي: كونوا لأنفسكم نوراً وملجأ حصيناً، ولا تلوذوا بغير أنفسكم . وهذه الكلمات تدل بوضوح على أن مبدأه، هو أن كل إنسان مسئول عن أعماله، وأنه ليس هناك من يحمل عنه آثامه أو يكفر له عنها.

وترى لماذا فات المعترض أن يؤلف لنا فصلاً عن الكيفية التي كفّر بها بوذا عن العالم أو خلّصه بها؟! هل خانه خياله، أم خشي أن يعيد إلى مسامعنا ما ذكره عن موت كرشنا، لئلا نتهمه بالتلفيق والتزوير، أم استحسن أن يترك موضوع موت بوذا جانباً، ليُدخل في روعنا أنه كاتب أمين لا ينقل إلينا من الأساطير إلا ما قرأه فعلاً، أو لنستنتج نحن أن المسيحيين الأوائل اقتبسوا شيئاً من سيرة كرشنا وشيئاً آخر من سيرة بوذا، وكوَّنوا من الاثنين قصة المسيح؟! ولكن ما أخفاه المعترض، نذكره هنا للقراء، ليعرفوا الحقيقة كما هي. فقد قيل إنه عندما كان بوذا في بلدة باقا، أراد حداد اسمه تشوندا أن يكرمه، فقدم له لحماً. ولما أكل بوذا هذا اللحم أحسَّ بألم شديد في أمعائه وأيقن أن ساعته قد جاءت. فشكر الحداد لأنه عجّل بانطلاقه من هذا العالم، ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى مات. فأخذ أتباعه جسده ليحرقوه كعادتهم، ولكن النار لم تؤثر في جسده إطلاقاً، فتركوه فيها سبعة أيام، وفي نهاية اليوم السابع التهمت النار جسده وأحرقته.

(ب) كما أن قول المعترض إن هيئة بوذا قد تبدّلت، وإن جسده قد أضاء بنور عظيم، ليس له أساس على الإطلاق في الأساطير. والموضع الوحيد الذي وردت فيه كلمة نور في سيرة بوذا، هو: وبعد ما قسا بوذا على جسده وأذله بالزهد والتقشف، وجد أن نفسه لم تتطهر كما كان يظن، بل أنها لم تزل تميل إلى الأهواء كما كانت تفعل من قبل. فترك الزهد والتقشف وعاد إلى طعامه كالمعتاد. ولكنه لم يلبث طويلاً حتى أخذت تتنازعه الشكوك والمخاوف، وتساوره الأفكار في أن يعود إلى بيته ويعدل عن سعيه. وأخيراً جلس ذات يوم بجوار شجرة، ومكث هناك يوماً بأكمله في نزاع داخلي بينه وبين نفسه، حتى إذا بزغ القمر، أشرق عليه نور الحق ينبئه أن شقاء الحياة لا ينبعث من الجسد، بل من رغبات النفس وأهوائها، وأنه في استطاعة الإنسان أن يكون سيداً على نفسه لا عبداً لها، وذلك بالثقافة الروحية والسلوك بالإخلاص مع بني جنسه . ولذلك يبدو لي أن المعترض عندما قرأ أن بوذا أشرق عليه نور، وكان في نيّته من قبل أن يسند شخصية المسيح إليه، تذكَّر حادثة تجَلِّي المسيح فاقتبسها المعترض من الإنجيل، بعد أن وضع فيها اسم بوذا عوضاً عن اسم المسيح، ثم راح يخلع عليها من خياله ما يتفق مع الجمال الهندي، فقال إن بوذا أصبح كتمثال من ذهب برّاق، ليُدخل في روع المسيحيين، أنه قد نقل لهم أسطورة حقيقية من بلاد الهند نفسها.

(ج) كما أنه أقتبس من الأساطير الهندية عبارة صعد بوذا إلى السماء ، ثم نقل من الإنجيل حادثة قيامة المسيح من بين الأموات وصعوده إلى السماء، بعد أن وضع فيها اسم بوذا بدلاً من اسم المسيح، ليوهم المسيحيين أن قيامة المسيح لا نصيب لها من الصواب، وأنها مسروقة من الأساطير الهندية. لكن الرواية التي وردت فيها عبارة وصعد بوذا إلى السماء ، والتي أخفاها المعترض لسوء نيّته، هي أن بوذا، بفضل ما بلغه من الإخلاص والأمانة، رأى أمامه سلّماً من ثلاث درجات، إثنتين منهما من ذهب، والثالثة من فضة. وكان أسفل السلّم يمسّ الأرض، وقمته تمسّ السماء، فصعد بوذا عليه ورأى الله وتحدّث معه، ثم عاد إلى الأرض وأستأنف عمله في هداية الناس وإرشادهم. كما أنه لم يرد في الأساطير الهندية مطلقاً أنه بعد ما دُفن بوذا انحلّت الأكفان، أو فُتح غطاء التابوت، أو أنه صعد بجسده إلى السماء، فكل هذا منقول من الإنجيل ومسند إلى بوذا زوراً وبهتاناً.

3 - كان السوريون يعتقدون أن الإله تاموز، تألّم من أجل الناس، ولذلك كانوا يدعونه المصلوب والفادي والمخلص، كما كانوا يحتفلون كل سنة بذكرى موته. وكان كهنته يقولون للناس: ثقوا بربكم فإن الآلام التي قاساها قد جلبت لنا الخلاص .

الرد: تُرى ما الذي يفيده المعترض من التزوير؟ ألا يدري أن التزوير لا بد أن يُكشف يوماً ويعرّض صاحبه للمذلة والهوان؟ ولو فرضنا جدلاً أنه ليس هناك من يكشف تزويره، فهل من الشرف أن يستغل جهل البسطاء بالأساطير، ليضلل بهم كما يشاء؟ وإن كان لا يعرف للشرف معنى، فهل من شروط النزاهة في الكتابة أن يأخذ أقوال الكتاب المقدس عن المسيح، ويسندها إلى غيره؟

ونحن نشكر الله الذي سمح أن تنتشر الكتب بين ظهرانينا، حتى أصبح العلم ليس قاصراً على فئة من الناس دون الأخرى، بل أصبح في متناول الناس جميعاً. فليسمع القارئ إذن أسطورة تاموز (التي يقول لنا المعترض إن سيرة المسيح مقتبسة منها) وذلك نقلاً عن أوثق المصادر العلمية وأصدقها. كان تموز يُعتبر عند معظم الوثنيين إله الزراعة أو الربيع، ولذلك كانوا يعتقدون أنه يتجلّى أو يقوم بظهور النباتات، وأنه يختفي أو يموت بذبولها. فهو بناءً على عقيدتهم، كان يقوم ويموت مرة كل عام. وكانوا يعتقدون أيضاً أن تاموز أحب أخته إشتار واقترن بها - وهنا تختلف الروايات في ذلك، فتقول رواية إنه بعد ما اقترن بها قتلته، ولما شعرت بجريمتها بعد ذلك حزنت حزناً شديداً عليه. وتقول رواية أخرى إن حرارة الشمس اللاذعة هي التي قتلته. وسواء أكانت الرواية الأولى هي الصادقة أم الثانية، فان كلتيهما تقول إن إشتار تنزل كل عام إلى العالم السفلي، وتمكث مع تاموز حتى تُصعده في فصل الربيع. وفي أيام المناحة على موته كانت السوريات، ومعهن الكنعانيات والأشوريات، يحلقن شعرهن حزناً عليه، ويرثينه بمراثٍ تأخذ بمجامع نفوسهن، ولذلك كنّ يبكين عليه بكاءً حاراً، وكان هذا البكاء يستمر حتى يدفن الكهنة تمثاله في هيكله. وفي أعياد ظهوره كنَّ يطربن ويفرحن، ويستسلمن لأهواء الجسد وشهواته، بلا قيد أو شرط.

مما تقدَّم، يتضح لنا أن القول إن تاموز تألم من أجل الناس، وإنه كان يُدعى المخلص والفادي والمصلوب، وإن آلامه قد جلبت الخلاص إليهم، هو ادعاء ومحض اختلاق، وجريمة أدبية شنيعة، لأنها تهدف إلى تشويه الحقائق وتشكيك البسطاء في عقائدهم. ولكن شكراً لله، فإنه لا يتسرب إلى مؤمن حقيقي أي شك من جهة عقيدته، لأن الدلالة على صدقها أثبت من أن تزعزعها هجمات الناس، أو هجمات الأبالسة والشياطين معاً.

4 - كان أحد الكُتّاب اليونان، قد كتب قبل المسيح، رواية عن شخص صلبه الكهنة على جبل قوقاسوس، جاء فيها أنه بسبب ذنوب الناس قد جُرح، وبداعي طغيانهم قد سُحق، وبضربه وجلده قد شُفوا.. وأنه اضطُهد وتألم وامتُهن، دون أن يتململ .

الرد: إن الجبل الذي يسمّيه المعترض قوقاسوس ، هو جبل القوقاز . والشخص الذي قال عنه إنه صُلب هناك، هو المسمّى في الرواية بروميتيه .

وليعرف القارئ الحقيقة كما هي، نقول: إن كاتب هذ الرواية أراد، كما ذكر الأستاذ أندرييه، أن يحطّ من شأن السلطة المطلقة، التي كانت تسود بلاد اليونان في أيامه، وأن يُظهر مساوئها ومضارها، وأن يحثّ الناس على التضحية في سبيل مناهضتها، ليتمتعوا بالديمقراطية. فارتأى أن بروميتيه بعد ما ساعد جوبيتر في القضاء على أعدائه، والارتقاء به إلى مركز رب الآلهة حقد جوبيتر عليه (لأن بروميتيه كان يحب الناس ويساعدهم في شؤونهم) وعزم على إهلاكه وإهلاك الناس معه. فعارضه بروميتيه وأظهر له خطأه. لكن جوبيتر أصر على رأيه. وليتخلّص منه صلبه على جبال القوقاز، وأمر فلكان بتعذيبه، فكان هذا يغرس حديداً محمّى بالنار في جسمه، وبعد ذلك أهاج جوبيتر النسور عليه، فكانت تمزّق لحمه. وظل بروميتيه على هذه الحال، حتى أنقذه هرقل.

مما تقدم، يتضح لنا أنه بالإضافة إلى أن موت المسيح كفارة عن الناس هو أصلي في المسيحية، وقد شهد عنه أنبياء الله في العهد القديم، قبل ظهور كاتب رواية بروميتيه بمئات السنين، فإن هذه الرواية تختلف عن حادثة صلب المسيح من وجوه كثيرة، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن هذه الحادثة مقتبسة من الرواية المذكورة. فالمسيح قدّم نفسه باختياره للموت، أما بروميتيه فسيق للموت رغماً عنه. والمسيح قَبِلَ الموت كفارة عن خطايا الناس، أما بروميتيه فلم يمُتْ عن خطايا إنسان ما. وما تصوَّر مؤلف الرواية أن بروميتيه قد عمله، هو ما عمله ويعمله كثير من الأحرار في كل زمان ومكان. لكن مَن مِن الناس أو غير الناس استطاع أو يستطيع أن يعمل ما عمله المسيح؟

فهو مع أنه هو الذي له وحده البقاء (أو عدم الموت) رضي أن يسلّم نفسه فدية، ليس عن أناس قديسين، بل عن عصاة أشرار، لينقذهم من سلطة الخطيئة وعقوبتها، ويؤهّلهم للتوافق مع الله في هذا العالم، وفي الأبدية أيضاً. أما القول إن بروميتيه جُرح بسبب ذنوب الناس، و سُحق بداعي طغيانهم فليس له أساس في الأساطير، وهو منقول عن نبوة إشعياء النبي، التي نادى بها عن صلب المسيح قبل هرقل بمئات السنين (إشعياء 53). وكان من الواجب على المعترض، إذا أراد أن يستعير أسلوب الكتاب المقدس، أن يقول: إن بروميتيه جُرح بسبب دفاعه عن الديمقراطية، و سُحق بسبب إخلاصه لها . لكنه شاء أن يزوّر الحقائق الثابتة، فيأخذ الآيات التي قيلت عن المسيح ويسندها إلى بروميتيه، ليوهم البسطاء أن العقائد المسيحية مسروقة من الأساطير القديمة!

5 - كان قدماء المصريين يحترمون الإله أوزيريس، ويعدّونه أعظم مثال لتقديم النفس ذبيحة من أجل الناس، لينالوا الحياة الأبدية .

الرد: نذكر فيما يلي أسطورة أوزيريس نقلاً عن أوثق المصادر: زعم قدماء المصريين أن أوزيريس أحب أخته إيزيس واقترن بها، وأنه كان يحب خير الناس وهناءهم، ويعمل كل ما في وسعه لإنقاذهم من فقرهم وجهلهم، وأنه كان يطوف جميع أرجاء البلاد، ليتفقد شؤون الناس وينشر الرخاء والحضارة بينهم. ولكن أخاه (ست) كان عدواً لكل خير وهناء، ولذلك كان ينتهز فرصة غياب أوزيريس عن بلد ما، ويقضي على كل أعماله الصالحة فيها، ولولا حرص إيزيس وسهرها، لكان قد قضى على كل هذه الأعمال. وأخيراً فكّر في حيلة للقضاء على أوزيريس نفسه، فعرف بطريقة ما حجم جسمه، وعمل صندوقاً بهذا الحجم تماماً، من ذهب وأحجار كريمة. ثم أخذه معه إلى وليمة عظيمة، كان مدعواً إليها أوزيريس، وأثناء تداول الحديث بين الحاضرين، قال إنه على استعداد أن يعطي هذا الصندوق، لمن كان حجم جسمه مثل حجم الصندوق تماماً. فأخذ الحاضرون يجربون الصندوق واحداً بعد الآخر، ولكنهم وجدوا أنه لا يناسب أحداً منهم. وأخيراً تقدم أوزيريس ورقد في الصندوق ليجرّب حظه، فأغلق ست الصندوق في الحال، وألقى به في النهر، فحمله النهر إلى البحر. وبعد مدة من الزمن عثرت إيزيس على جثة زوجها، وأعادتها إلى مصر. وفي يوم ما ذهبت لزيارة ابنها حورس، فأتى ست وأخذ جثة أوزيريس وقطّعها قطعاً صغيرة (قيل إنها كانت 14 قطعة وقيل إنها كانت 42 قطعة، وقيل إنها كانت 72 قطعة)، وقذف بها في جهات متفرِّقة. فلما علمت إيزيس بذلك، أخذت تبحث عن أجزاء جثة زوجها، وتدفن كل جزء تعثر عليه. ولما كبر حورس انتقم من ست شر نقمة. أما أوزيريس فقد عاش في العالم السفلي، وأصبح إله الأموات. وفي رواية أخرى إنه لما مات أوزيريس بكت عليه إيزيس، فسقطت دموعها على صندوقه، ولذلك قام على الفور، وعاش مرة ثانية على الأرض. وفي رواية غيرها أن أوزيريس كان يغرق كل عام في وقت الفيضان، وكانت أخته تنزل إلى الأعماق لتنتشله من الغرق.

مما تقدّم، يتضح لنا أنه بالإضافة إلى أن موت المسيح كفارة عن الناس أصلي في الكتاب المقدس، وقد شهد عنه أنبياء الله في العهد القديم قبل حدوثه بمئات السنين، فإن الأساطير التي قيلت عن أوزيريس تختلف كل الاختلاف عمَّا ذكره الكتاب المقدس عن موت المسيح، الأمر الذي يقضي على كل ظن بأن خبر موته قد نُقِلَ عن الأساطير. ولذلك كان من الواجب على المعترض أن يلزم النزاهة فلا يقول إن أوزيريس مات ذبيحة لأجل الناس لينالوا الحياة، بل يقول الأسباب الحقيقية التي زعم قدماء المصريين أنها أدّت إلى موته. ولكنه شاء، وما أسوأ مشيئته، أن يزِّور الحقائق الثابتة، فيُسند عمل المسيح الفريد إلى أوزيريس، ليُوهم بسطاء المسيحيين أن عقائدهم مسروقة من الأساطير الوثنية!

6 - ورد في كتاب )اث ا غسفثقغ ب -ثسعس مهبث( أن العلماء عثروا بين الآثار المصرية على تاريخ إنسان يشبه المسيح في مولده وحياته وموته وقيامته، كل الشبه. ولذلك إن لم تكن سيرة المسيح مقتبسة من الأساطير السابق ذكرها، تكون مقتبسة من سيرة هذا الإنسان .

الرد: تاريخ قدماء المصريين، وغيرهم من الشعوب القديمة والحديثة، يخلو من أية إشارة عن مثل هذا الإنسان. فمن المؤكد أنه ليس إنساناً حقيقياً، بل هو إنسان خيالي، قام بصياغته مؤلف هذا الكتاب ليُدخل في روع البسطاء أن سيرة المسيح مقتبسة من تاريخ قدماء المصريين. ومما يثبت ذلك أيضاً، أننا رجعنا إلى الكتاب المذكور، ووجدنا أن مؤلفه قد استعمل في وصفه لهذا الإنسان، أسماء رجال ونساء وبلاد، كما أشار إلى أنظمة وتقاليد وعادات، لم تكن معروفة أو متَّبعة في مصر على الإطلاق، بل كانت معروفة ومتَّبعة في بلاد فلسطين وحدها. وهذا دليل قاطع على أنه أطّلع على سيرة المسيح المدوَّنة في الإنجيل، ثم صاغ منها قصة إنسانه المزعوم! وهكذا خانه التوفيق في مهمته، كما يخون غيره من المدّعين، وكشف بنفسه دون أن يدري، عن تزويره وسوء نيته.

أخيراً نقول، كردٍ عام على الاعتراضات السالفة، إننا إذا رجعنا إلى بدء معاملة الله مع البشر، الواردة في أول أسفار التوراة، وجدنا أنه بعدما أغوت الحيّة (أو الشيطان) حواء على مخالفة وصية الله، قال تعالى للحيّة (أو بالحري للشيطان) على مسمع من آدم وزوجته (أي قبل ظهور الوثنية على الأرض بأجيال عديدة): وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو (أي نسل المرأة) يسحق رأسك، وأنت تس